تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 674

مساهمون:

ص٦٧٤
وكان لها ثلاثة اتّجاهات : منها ما يسالم الاحتلال ويؤيّده ، ومنها ما يؤيّد الحركة الوطنية ويؤيّد من ورائها السياسة الفرنسية ، ومنها ما يؤيّد الحركة الوطنية والنزعة الإسلامية والارتباط بالدولة العثمانية ، وكلّ منها يعرض وجهة نظره في شيء من الهدوء والرزانة والوقار . فلمّا طلع « الأُستاذ » دعا إلى أنّ مصر للمصريّين ، لا لتركيا ولا للأوروبيّين ، وناصر الحركة الوطنية والالتفاف حول الخديوي أمير البلاد ، ودعا الذين غلبهم الخوف بعد احتلال أن يبرزوا من مكامنهم ، ويمسحوا الخوف عنهم ، ويتّصلوا بالجمهور ليوقظوه ، ودعا إلى تأليف الأحزاب حتّى يكون لكلّ جريدة حزبها ، ولكلّ حزب برنامجه . ولم يسلك سبيل الهدوء كما سلكه معاصروه ، بل كان حادّاً عنيفاً ، والحِدّة منه استتبعت الحِدّة من الجرائد الأُخرى ، والغضب يبعث الغضب ، والصوت العالي يبعث في الردّ عليه الصوت العالي ، فتميّزت الجرائد بعضُها عن بعض في وضوح وجلاء . وكانت هذه الحِدّة وهذا الجدل المتتابع في المسائل العامّة أكبرَ موقظ للرأي العامّ النائم ، يفهمه موقفه وما يضرّه وما ينفعه ، وأيّ غاية يريد منه هؤلاء وهؤلاء ، ومواطن ضعفه ، وكيف السبيل إلى قوّته ، وللنديم الفضل الكبير في ذلك . وكانت جريدة « الأُستاذ » هي الأُستاذ لمصطفى كامل ، تعلّم منها الاتّجاه والنغمة ، وإن اختلفا من حيث الثقافة والأُسلوب بحكم الزمن والأحداث والظروف . كانت عظمته في ذكائه وقوّة لَسَنه . وقال فيه المرحوم أحمد باشا تيمور : « كان شهي الحديث حلو الفكاهة ، إذا أوجز ودّ المحدّث أنّه لم يوجز . . لقيتُه مرّة في آخر إقاماته بمصر ، فرأيت رجلًا في ذكاء إيّاس ، وفصاحة سَحبان ، وقبح الجاحظ ! أمّا شعره فأقلّ من نثره ، ونثره أقلّ من لسانه ، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا ! » . كان السيّد جمال الدين يُعجَب بقوّة حجّة النديم في المناظرة والجدل ، وسرعة بديهيته ، وشدّة عارضته ، ووضوح دليله ، ووضعه الألفاظ وضعاً محكماً بإزاء معانيها إن خطب أو كتب ، ثمّ هو شجاع لا يخاف ، يَلَذُّه مواجهة العظماء ومنازلة الكبراء في غير خوف ولا وَجَل ، إلى تواضع مع العامّة ومضاحكتهم ومؤانستهم وملاطفتهم ، لا يعبأ بالقول ولا