عمران : 102 - 103 ) ، وقال جلّ وعلا :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
( سورة الأنفال : 46 ) .
ورسولنا الذي نؤمن به جميعاً ونتأسّى به ، والذي نتّبع ما يأتينا به وما ينهانا عنه ننتهي ، دعانا إلى المحبّة والمودّة والتعاطف فيما بيننا بقوله : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى » .
هذا الجسد ليس جسداً مادّياً ، وإنّما هو جسد المحبّة والأُخوّة ، وهو جسد واحد بأدمغة كثيرة ونفوس متعدّدة وبأشكال مختلفة ، متّحدين في إنسانيتهم وأُصول دينهم ، لا يناقض تلك الوحدة اختلافهم وتمذهبهم ، بل يؤكّد الخالق عزّ وجلّ سنّته ومشيئته في كونه وفي خلقه بأن يجعل الوحدة مقترنة بالاختلاف ، ولذلك لم يأمر الخلق أن يكونوا صيغة واحدة تتحرّك في اتّجاه واحد ، فقال :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
( سورة هود : 118 - 119 ) .
والمسلمون كغيرهم من مخلوقات اللَّه يتحقّق فيهم الاختلاف والتنوّع والتعدّد ، فاختلفوا في مذاهبهم العقائدية والفقهية بعد انقضاء عهد الرسالة ، وباد الكثير من تلك المذاهب ، وبقيت واستمرّت إلى زمننا هذا مذاهب أُخرى : حنبلي وشافعي ومالكي وحنفي من أهل السنّة ، وبقي المذهب الإمامي الاثنا عشري ، وبقي المذهب الزيدي وأيضاً المذهب الإباضي ، وهذا الاختلاف يعتبره العلماء ثروة فكرية غنية للحضارة الإسلامية ، تمنح المسلم فرصاً واسعة لعملية تطبيق الشريعة واختيار الأصلح والأرجح ، بما لا يمسّ ما هو معلوم من الدين بالضرورة ولا يمسّ الأُصول الثانبة المتّفق عليها بين أطياف المذاهب . . كلّ ذلك والأمر متّسق مع البشرية ومع الدين ومع العقل والمنطق ، إلّاأن - وما أشدّ تلك ( الأن ) ! - يتحوّل ذلك الاختلاف وتلك الرحمة إلى تشدّد طائفي ومذهبي ، فهذا ما لا يقرّه الدين ولا يفهمه العقل ، ذلك التشدّد الذي من خلاله تتبادل عبارت التكفير والتفسيق والتبديع وتزهق من خلاله روح الجوار ، تلك خطورة ما بعدها خطورة نقضي بها على