وفيها استكمال لنهج أسّسه الشهيد الأوّل ، ألا وهو تقوية المذهب على أساس الحوار مع الآخر .
وتجد الشهيد الثاني يحمل مواصفات قلّ نظيرها ، فهو قائد مضحّي وشجاع حكيم يتلمّس خطواته بعين ثاقبة ، الميزان فيها رضا اللَّه تعالى ومصلحة الناس .
لم يكن الشهيد همّه طلب العلم لذاته ، حتّى إذا ما حصل على الحظّ الوافر منه انطوى على نفسه ، وأحاطها بكمّية هائلة من الممنوعات تحت عنوان : أنّها لا تتناسب والمقام !
لقد أدرك الشهيد الثاني خطورة تلك المرحلة التي سوف تكون أشدّ إيلاماً من الاحتلال الصليبي للمنطقة ، حيث كانت تواجه فيه عموم المسلمين ، في حين أنّ الخطر في الإمبراطورية العثمانية داخلي بين المسلمين أنفسهم ، حيث تترّس العثمانيّون خلف المذهب السنّي ، وجعلوه غطاءً لكلّ جرائمهم ، فكان لا بدّ من وضع حدّ لهذا التترّس من خلال مشروع يضمن وحدة المسلمين ، ويجمعهم على قواسم مشتركة .
على هذا الأساس نمت شخصية الشيخ الجبعي مواكبة لكلّ هذه التطوّرات ، ومتطلّعة إلى نهضة علمية واجتماعية تكون مانعاً من هذه الذهنية الخطيرة .
بالتأكيد هناك بيئة وبيت وظروف ساهمت في صنع شخصية الشهيد الجبعي ، وكما يذكر تلميذه محمّد بن علي بن الحسن العودي ( الجزّيني ) : أنّه وجد في خطّ أُستاذه الشهيد الثاني سيرة حياته ، ثمّ ألحقها بالرسالة التي كتبها عن أُستاذه الشيخ الجبعي سمّاها : « بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد » ، كما جاء في الدرّ المنثور : ولد الشهيد الثاني في بلدة جبع سنة 911 ه ، وهي قرية جميلة من قرى جبل عامل ترتفع عن سطح البحر ما يقرب من تسع مائة متر ، وتعتبر من أهمّ المصائف في لبنان ، يقصدها كبار العلماء والأُدباء والشعراء للاصطياف والنقاهة . فجمالها الطبيعي وهواؤها النقي وماؤها العذب وكلّ ما فيها يدلّ على عظمة الخالق ، وليس مستغرباً أو صدفة أن تنتج هذه البقعة أحد كبار فقهاء الإمامية ، ومن أصحاب العقول النيّرة التي تدرك حقائق الأشياء والمصالح الكبرى لهذه الأُمّة ، مضافاً إلى كونه من سلالة فقهاء ، كما ذكر الحرّ العاملي : أنّ جدّه الشيخ
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 480
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٨٠