تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
جدّه ونشاطه ، ولا أُغالي إذا قلتُ : إنّني لم أجد رجلًا يتحمّل ما يتحمّله هذا الشاب في سبيل الخدمة العامّة ، وليس الخبر كالعيان ، وقد علمتُ أنّه قضّى يوم عيد الفطر ولم يتناول فيه سوى الخبز الجاف ، ومع ذلك فقد كان في هذا اليوم يستقبل المهنّئين برابطة الثقافة ، ويظهر البشاشة والسرور ! » . وقد كان زكي علي على وعي تامّ بما ينسجه الاستشراق من أوهام التفرقة بين الشعوب الإسلامية تحت ستار البحث العلمي المستوعب ، فقد حلا لبعض الدكاترة الفارسيّين أن يُلقي محاضرات عن تاريخ الطبّ والحكمة في الإسلام بإحدى المدرّجات العلمية في جامعة سويسرا ، فسارع الدكتور إلى استماع ما يقول مستبشراً ؛ لأنّ المتحدّث مسلم ، والموضوع عن الطبّ في الإسلام ، ولكنّه صُدم حين وجد المحاضر ينسب كلّ تقدّم علمي في الطبّ والهندسة والفلك إلى المسلمين الفارسيّين وحدهم ، ويذكر أسماء الخوارزمي والرازي والفارابي وابن سينا وسواهم ! فقام الدكتور زكي ليردّ على المحاضر ، وقال في بدء حديثه : « أنا مسلم أوّلًا ، وأحبّ كلّ فارسي يدين بالإسلام في القديم والحديث ، ولكنّ محاولة قصر العلم على وطن دون وطن يرفضها الواقع الصريح لتاريخ العلم ، وأنا حين كتبتُ كتابي عن الطبّ العربي لم يجُل بذهني أنّ ابن سينا والرازي غريبان عنّي ، والغزّالي عندي مثلًا كالشافعي ؛ لأنّ الإسلام هو القلادة العظمى لكلّ من ينتمي إليه » ، ثمّ أسهب في هذا المنحى إسهاباً حفز الدكتور المحاضر إلى تهنئة المعقّب بروحه السامية ، ووعده أن يسير في نهجه العلمي فيما يأتي من بحوثه سير من لا يفرّق بين فارسي وعربي . أمّا الشجاعة كلّ الشجاعة - وذلك على حدّ تعبير الدكتور محمّد رجب البيومي - فهي مهاجمة الليث المتحفّز في عرينه دون مبالاة ، وهذا ما فعله الدكتور زكي علي حين كتب مؤلّفه الرائع « الشعوب البيضاء » ؛ لأنّه أعلن بوضوح أنّ التديّن في أوروبّا المسيحية كاذبٌ ، وأنّ الفرد منهم يذهب إلى الكنيسة كلّ أحد ، ولكنّه لا ينفّذ شيئاً من تعاليم المسيح ، وقد قامت مذابح الحربين العالميتين في أوروبّا وفقاً لضراوة متوحّشة ، جعلت الأوربّي المسيحي مفترساً ضارياً يأكل لحم أخيه !