وفي تونس وأثناء أزمة من أزماته مع الباي محمّد الصادق ( 1275 - 1299 ه / 1859 - 1882 م ) اعتزل خير الدين جميع مناصبه الحكومية لعدّة سنوات ( 1278 - 1286 ه / 1862 - 1869 م ) ، واعتكف في بستان له ، كما اعتزل ابن خلدون من قبل في إحدى قلاع تونس فكتب المقدّمة والتاريخ ، اعتزل خير الدين واعتكف في بستانه ، فكتب على غرار ابن خلدون كتابه « أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك » الذي طبع بتونس للمرّة الأُولى ( 1284 ه - 1868 م ) ، والذي أودع مقدّمته خلاصة آرائه في التمدّن والإصلاح .
ولقد كان خير الدين بحكم عصره وموقعه بعد رفاعة الطهطاوي ( 1216 - 1290 ه - 1801 - 1873 م ) أبرز من أطلّ على الحضارة الغربية ، وجاء مشروعه للإصلاح في ضوء علاقة العالم الإسلامي يومئذٍ بها . فلقد كان تجاهل التأثير الأوربّي في ذلك التاريخ وتلك الملابسات ضرباً من المحال ، ففرنسا كانت قد شرعت في احتلال الجزائر سنة 1246 ه - 1830 م ، وشرعت في مدّ نفوذها الاقتصادي إلى تونس بتقديم القروض ، وأخذت تتدخّل في شؤونها المالية تمهيداً للسيطرة ، فالاحتلال .
وكان الباي أحمد صاحب محاولات في الإصلاح ، يترسّم فيها خطى محمّد علي باشا الكبير ( 1184 - 1265 ه / 1770 - 1849 م ) بمصر ، فأنشأ في « باردوا » بفرنسا سنة 1256 » ه - 1840 م « مكتب العلوم الحربية ؛ ليتعلّم فيه الجنود التونسيّون علوم الهندسة والمساحة والحساب وغيرها ، وعهد إلى خير الدين بالإشراف على هذا المكتب ( المدرسة ) الذي رأسه المستشرق الإيطالي « كاليفاريس » ، وهناك عايش خير الدين الحضارة الأوروبّية ولمس تأثيراتها ، ولقد اكتملت معرفته بها في سفارته للباي لدى عديد من ممالك أُوربّا ، مثل فرنسا والسويد وبروسيا وبلجيكا والدانمارك وهولندا .
ولقد تبلورت دعوة خير الدين إلى إصلاح أحوال المسلمين في ضرورة الأخذ عن الحضارة الغربية التنظيمات والتجارب والتراتيب الإدارية ، وضرورة التجديد والاجتهاد في الشريعة الإسلامية كي تواكب المصالح المتجدّدة للمسلمين ، فتحدّث عن العلاقة بأوروبّا قائلًا : « إنّه لن يتهيّأ لنا أن نميّز ما يليق بنا إلّابمعرفة أحوال من ليس من حزبنا !
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 375
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٧٥