فالدنيا بصورة بلدة متّحدة ، تسكنها أُمم متعدّدة . حاجة بعضهم لبعض متأكّدة ! » .
أمّا هذا الرأي الذي رآه لائقاً بالمسلمين لينهضوا به من ثمرات الحضارة الغربية . . فإنّ في مقدّمته :
1 - التنظيمات السياسية : والتي هي في الحقيقة السبب في تقدّم الأوربيّين في المعارف ، وهذه التنظيمات لا بدّ أن تكون مؤسّسة على العدل والحرّية . ولذلك أدان التونسي الاستبداد بالسلطة وحكم الفرد ، ودعا إلى إحياء هيئة « أهل الحلّ والعقد » الإسلامية ، وزكّى في مذكّراته تكوين المجالس النيابية بالانتخاب العامّ ، وألحّ على ضرورة تقييد جهاز الدولة بالقوانين ، سواء منها تلك التي تنظّم علاقة الرعية بالدولة ، أو العلاقة بين المواطنين ، وطالب بأن تكون مباشرة الحكم التنفيذي من اختصاص الوزراء لا الحاكم الأعلى ، وأن يكون الوزراء مسؤولين أمام وكلاء الأُمّة ونوّابها المنتخبين ، وقال : « إنّ أوروبّا إذا كانت قد صنعت وأقامت هذه التنظيمات السياسية انطلاقاً من القوانين العقلية الطبيعية غير الإلهية ، فإنّ المسلمين أولى من الأوربيّين بذلك ؛ لأنّ هذه التنظيمات ممّا يحقّق غاية الشريعة الإسلامية ومقاصدها » .
2 - الحرّية السياسية : والغاية من التنظيمات السياسية عند خير الدين التونسي هي تحقيق العمران للبلاد ، وأساس هذا العمران هو العدل ، أي : الحرّية السياسية للمواطنين . كما أنّ اتّساع نطاق المعارف في المجتمع إنّما يرجع كذلك إلى اتّساع نطاق الحرّية . وإذا كانت الحرّية الشخصية ضرورة ليتصرّف الإنسان في ذاته وكسبه وهو آمن على نفسه وعرضه وماله مطمئن إلى تساويه مع أبناء جنسه ، فإنّ الحرّية السياسية أدخل في الضرورة واللزوم ؛ لأنّها هي التي تحقّق اشتراك الرعية في توجيه سياسة الدولة كي تأتي على وفق المصلحة العامّة للمجموع . وتدخل في الحرّية السياسية حرّية نشر الأفكار التي يسمّيها التونسي :
« حرّية المطبعة ! » ، حيث لا يمنع الإنسان من أن يكتب ويذيع ما يعتقده صواباً ومصلحة ، أو يعرض ذلك على أجهزة الدولة ومجالسها حتّى ولو تضمّن ذلك الاعتراض على مناهجها .
3 - الحرّية الاقتصادية : فلقد ارتبطت في فكر خير الدين الحرّية السياسية بالحرّية
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 376
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٧٦