تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
وتتجرّد الحكومة أو الدولة من قيمتها إذا اعتبرت غاية لذاتها ، فإذا كان هذا الكيان العظيم مائلا عن وظائفه ومتجاهلا لها ، فإنّ الحكومة تصبح فاقدة لمصداقيتها ، ومن هذا الأساس وضع علي ( ع ) هذا الكيان في درجة أدنى من درجة النعل الذي يوطأ ، ويحدّثنا عبد الله بن عبّاس عن هذه القضية بقوله : دخلت على أمير المؤمنين ( ع ) بذي قار وهو يخصف نعله ، فقال لي : ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت : لا قيمة لها ، فقال ( ع ) : والله لهي أحبُّ إليّ من إمرتكم ، إلّا أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلا . ثم خرج فخطب الناس فقال : إنّ الله بعث محمداً ( ص ) وليس أحدٌ من العرب يقرأ كتاباً ، ولا يدّعي نبوّة ، فساق الناس حتّى بوّأهم محلّتهم ، وبلّغهم منجاتهم ، فاستقامت قناتهم ، واطمأنّت صفاتهم . أما والله إنْ كنت لفي ساقتها « 1 » ، حتى تولّت بحذافيرها ، ما عجزتُ ولا جَبُنتُ ، وإنّ مسيري هذا لمثلها ، فلأنقبنّ الباطل حتّى يخرج الحقّ من جنبه « 2 » . وعلي ( ع ) هنا يؤكد دور الحكومة ووظيفتها ، فإحقاق الحق وإبطال الباطل من أهم واجبات الحكومة ، بل من أهم دواعي وجودها واستمرارها . وقد أشار ( ع ) لضرورة تقبّل المسؤولية والنهوض بها لسد الفراغ السياسي الذي يتطلبه وجود هذا الكيان عند فقدانه فقال : أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألّا يقارّوا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألقيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عَنز « 3 » . وجعل ( ع ) العدل والإنصاف محور رسالته إلى الأشتر النخعي ، والتي يقول فيها : أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ، ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك ، فإنّك إلّا تفعل تَظلِم . ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجّته ، وكان لله حرباً حتى ينزِع أو يتوب . وليس شيء أدعى إلى
هامش
( 1 ) الساقة ، جمع سائق : وهم الذين يسوقون جيش الغزاة ويكونون من ورائه يحفظونه . اللسان ( سوق ) . ( 2 ) نهج البلاغة ص 76 خطبة 33 . ( 3 ) نهج البلاغة ص 50 خطبة 3 .