التي وضعتها في عنق هذا الثائر الذي تحركت في عروقه وأوصاله الثورة الحسينية فانبرى ثائراً ، لما رأى من ظلم هشام بن عبد الملك واستهانته واستخفافه به وببقية المسلمين ، متقلداً سيف الثورة والجهاد لكنّه تهاوى بحراب الغدر والخذلان ، وبلغ من جورهم عليه أن علّق مصلوباً أربع سنين « 1 » .
ولم يبتعد زيد مسافة كبيرة عن مدرسة الحرية والشهادة أرض الكوفة التي تقلّد في محرابها وسام الشهادة استلهاماً من هذه الأرض المقدسة ، ومن كربلاء الحسين ( ع ) ، حيث تلقى دروس الثورة والجهاد في صفوفها ، ويتحدّث التاريخ عن سبب خروج زيد بأنّه دخل على هشام بن عبد الملك وقد جمع له هشام أهل الشام وأمر أن يتضايقوا في المجلس حتّى لايتمكّن من الوصول إلى قربه ، فقال له زيد : إنّه ليس من عباد الله أحد فوق أن يُوصى بتقوى الله ، ولا من أحد دون أن يوصي بتقوى الله ، وأنا أوصيك بتقوى الله يا أمير المؤمنين فاتقه ، فقال هشام : أنت المؤهّل نفسك للخلافة ، الراجي لها ، وما أنت وذاك لا أمّ لك ، وإنّما أنت من أمة ، فقال له زيد : إنّي لا أعلم أحداً أعظم منزلةً عند الله من نبي بعثه ، وهو ابن أمة ، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يُبعث ، وهو إسماعيل بن إبراهيم ( ع ) .
فالنبوّة أعظم منزلةً عند الله أم الخلافة يا هشام ! وبعد ، فما يقصر رجل أبوه رسول الله ( ص ) ، وهو ابن علي بن أبي طالب ( ع ) ! فوثب هشام من محلّه ودعا قهرمانه وقال : لايبيتنّ هذا في عسكري ، فخرج زيد وهو يقول : إنّه لم يكره قوم حرَّ السيف إلّا ذُلّوا ، فلمّا وصل إلى الكوفة اجتمع إليه أهلها ، فلم يزالوا به حتّى بايعوه على الحرب ، ثمّ نقضوا بيعته وأسلموه ، فقتل ( ع ) وصُلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحدٌ منهم ، ولايغيّر ذلك بيد ولا لسان « 2 » وكأنّ صرخة الحرية والجهاد التي أطلقها لم تكن مقبولة لديهم ، فاختاروا
هامش
( 1 ) ينظر بحار الأنوار 168 : 46 و 186 .
( 2 ) بحار الأنوار 186 : 46 .