تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
عليها ، ففي صحيح البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال : « كنا نعبد الحجر ، فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر ، فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب ، ثمّ جئنا بالشاة فحلبنا عليه ، ثمّ طفنا به » « 1 » ، وقال الكلبي : « كان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار ، فنظر إلى أحسنها فاتّخذه ربّاً ، وجعل ثلاث أثافي لقدره وإذا ارتحل تركه » « 2 » . ولم يقتصر العرب على عبادة الأحجار ، بل كان لهم آلهة شتّى ، من الملائكة والجنّ والكواكب ، فكانوا يعتقدون أنّ الملائكة بنات اللَّه ، واتّخذوا من الجنّ شركاء له وآمنوا بقدرتهم وعبدوهم . ويروى عن حِمير عبادة الشمس ، وعن كنانة عِبادة القمر ، وعن لخم وجذام عِبادة المشتري ، وعن أسد عبادة عطارد ، وعن طي عِبادة سهيل « 3 » . وكان في العرب يهود ونصارى إلى جانب تلك الكثرة مِن المشركين ، ولكن اليهودية والنصرانية لم يكن بإمكانها أنْ تصنع شيئاً ، بعد أن منيت هي نفسها بالتحريف والزيغ ، وأصبحت مجرد شعارات وطقوس ، وبعد أن امتزجت المسيحية العالمية بوثنية الرومان ، وأضحت لوناً من ألوان الشرك ؛ فلم تكن النصرانية أو اليهودية في بلاد العرب ، إلّانسختين من اليهودية في الشام ، والنصرانية في بلاد الروم والشام ، تحملان كلّ ما منيت بها هاتان الديانتان من نكسات وزيف . وهذه الصورة العامّة عن الوثنية والشرك في بلاد العرب ، تكفي لكي نتصوّر مدى ما بلغه الإنسان الجاهلي من ضعة ، وميوعة ، وتنازل عن الكرامة الإنسانية ، حتّى أصبح يدين بعبادة الحجر ، ويربط وجوده وكلّ آماله وآلامه بكومة من تراب .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري : ج 5 ، ص 216 . ( 2 ) الأصنام : 33 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 22 .