تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وسائل الإقناع والتفهيم ، قاوم النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية لتفسير الأحداث ، الإنسان الاعتيادي كان يفسّر أحداث التاريخ بوصفها كومة متراكمة من الأحداث ، يفسّرها على أساس الصدفة تارة ، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر اللَّه سبحانه وتعالى تارة أخرى ، القران الكريم قاوم هذه النظرة العفوية وقاوم هذه النظرة الاستسلامية ونبّه العقل البشري إلى أنّ هذه الساحة لها سُننها ولها قوانينها ، وأ نّه لكي تستطيع أن تكون إنساناً فاعلًا مؤثراً لابدّ لك أن تكتشف هذه السُنن ، لابدّ لك أن تتعرّف على هذه القوانين ، لكي تستطيع أن تتحكَّم فيها ، وإلّا تحكَّمت هي فيك وأنت مغمض العينين . افتح عينيك على هذه القوانين ، افتح عينيك على هذه السُنن ، لكي تكون أنت المتحكِّم لا لكي تكون هذه السُنن هي المتحكِّمة فيك . هذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهّد إلى تنبّه الفكر البشري بعد ذلك بقرون ، إلى أن تجري محاولات لفهم التاريخ فهماً علمياً . بعد نزول القرآن بثمانية قرون بدأت هذه المحاولات ، بدأت على أيدي المسلمين أنفسهم ، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سُننه وقوانينه ، ثمّ بعد ذلك بأربعة قرون - على أقل تقدير - اتّجه الفكر الاوربّي في بدايات ما يسمّى بعصر النهضة ، بدأ لكي يجسّد هذا المفهوم ، هذا المفهوم الذي ضيّعه المسلمون ، والذي لم يستطع المسلمون أن يتوغّلوا إلى أعماقه ، هذا المفهوم أخذه الفكر الغربي في بدايات عصر النهضة ، وبدأت هناك أبحاث متنوعة ومختلفة حول فهم التاريخ وفهم سُنن التاريخ ، ونشأت على هذا الأساس اتّجاهات مثالية ، ومادّية ، ومتوسطة ، ومدارس متعدّدة ، كلّ واحدة منها تحاول أن تحدّد نواميس التاريخ . وقد تكون المادّية التاريخية أشهر هذه المدارس ، وأوسعها تغلغلًا ، وأكثرها تأثيراً في التاريخ نفسه . إذاً كلّ هذا الجهد البشري في الحقيقة هو استمرار لهذا التنبيه القرآني ، ويبقى
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 233 | السيد منذر الحكيم