تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
للعلوسم الأخرى ، ولا نترقّب من القرآن الكريم أن يتحدّث لنا عن مبادئ الفيزياء ، أو الكيمياء ، أو النبات ، أو الحيوان . صحيح أنّ في القرآن الكريم إشارات إلى كلّ ذلك ، ولكنّها إشارات بالحدود التي تؤكّد على البعد الإلهي للقرآن ، وبقدر ما يمكن أن يثبت العمق الربّاني لهذا الكتاب الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل ، والذي استطاع أن يسبق التجربة البشرية مئات السنين ، في مقام الكشف عن حقائق متفرّقة في الميادين العلمية المتفرّقة ، لكن هذه الإشارات القرآنية إنّما هي لأجل غرض عملي من هذا القبيل ، لا من أجل تعليم الفيزياء والكيمياء . القرآن لم يطرح نفسه بديلًا عن قدرة الإنسان الخلّاقة ، عن مواهبه وقابلياته في مقام الكدح ، الكدح في كلّ ميادين الحياة بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة ، القرآن لم يطرح نفسه بديلًا عن هذه الميادين ، وإنّما طرح نفسه طاقة روحية موجّهة للإنسان ، مفجّرة طاقاته ، محرّكة له في المسار الصحيح . فإذا كان القرآن الكريم كتاب هداية وتوجيه ، وليس كتاب اكتشاف وعلم ، فليس من الطبيعي أن نترقّب منه استعراض مبادئ عامّة ، لأيّ واحد من هذه العلوم التي يقوم الفهم البشري بمهمّة التوغّل في اكتشاف نواميسها وقوانينها وضوابطها . لماذا ننتظر من القرآن الكريم أن يعطينا عموميات ، أن يعطينا مواقف ، أن يُبلور له مفهوماً علمياً في سُنن التاريخ على هذه الساحة من ساحات الكون ، بينما ليس للقرآن مثل ذلك على الساحات الأخرى ؟ ولا حرج على القرآن في أن لا يكون له ذلك على الساحات الأخرى ؛ لأنّ القرآن لو صار في مقام استعراض هذه القوانين وكشف هذه الحقائق ، لكان بذلك يتحوّل إلى كتاب آخر نوعياً ، يتحوّل من كتاب للبشرية جَمعاء إلى كتاب للمتخصّصين يُدرّس في الحلقات الخاصّة » « 1 » .
هامش
( 1 ) المدرسة القرآنية : ص 47 - 49 .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 228 | السيد منذر الحكيم