الفهم والإحساس ، والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما ، أقول : إنّ كلّ عقيدة لاتلد للإنسانية هذا النظام ، فهي لا تخرج عن كونها تلطيفاً للجوّ ، وتخفيفاً من الويلات ، وليست علاجاً محدوداً ، وقضاءً حاسماً ، على أمراض المجتمع ومساوئه ، وإنّما يُشاد البناء الاجتماعي المتماسك على فهم معنويٍ للحياة ، وإحساس خُلقيّ بها ينبثق عنهما نظام يملأ الحياة ، بروح هذا الإحساس ، وجوهر ذلك الفهم .
وهذا هو الإسلام في أخصر عبارة وأروعها : فهو عقيدة معنوية وخُلقية ، ينبثق عنها نظام كامل للإنسانية ، يرسم لها شوطها الواضح المحدّد ، ويضع لها هدفاً أعلى في ذلك الشوط ، ويُعرِّفها على مكاسبها منه « 1 » .
وقد حمل الإسلام المشعل المتفجّر بالنور ، بعد أن بلغ البشر درجةً خاصّةً من الوعي ، فبشّر بالقاعدة المعنوية والخلقية على أوسع نطاق ، وأبعد مدى ، ورفع على أساسها رايةً إنسانيةً ، وأقام دولةً فكريةً أخذت بزمام العالم ربع قرن ، واستهدفت إلى توحيد البشر كلّه ، وجمعه على قاعدة فكرية واحدة ، ترسم أسلوب الحياة ونظامها .
فالدولة الإسلامية لها وظيفتان :
أحداهما : تربية الإنسان على القاعدة الفكرية ، وطبعه في اتّجاهه وأحاسيسه بطابعها .
والأخرى : مراقبته من خارج ، وإرجاعه إلى القاعدة الفكرية إذا انحرف عنها عملياً .
ولذلك فليس الوعي السياسي للإسلام وعياً للناحية الشكلية من الحياة الاجتماعية فحسب ، بل هو وعيّ سياسيّ عميق مردّه إلى نظرة كلّية كاملة نحو الحياة ، والكون ، والاجتماع ، والسياسة ، والاقتصاد ، والأخلاق ، فهذه النظرة الشاملة هي الوعي الإسلاميّ الكامل .
هامش
( 1 ) المدرسة الإسلامية : ص 75 - 80 .