التي يُربّيه الدين على احترامها ، ويستبسل في سبيلها ، ويزيح عن طريقها ما يقف أمامها من مصالحه ومنافعه . وليس معنى ذلك أنّ حبّ الذات يُمحى من الطبيعة الإنسانية ، بل إنّ العمل في سبيل تلك القِيَم والمُثل تنفيذ كامل لإرادة حبّ الذات ، فإنّ القِيَم بسبب التربية الدينية تصبح محبوبةً للإنسان ، ويكون تحقيق المحبوب بنفسه معبِّراً عن لذّة شخصية خاصّة ، فتفرض طبيعة حبّ الذات بذاتها السعي لأجل القِيَم الخلقية المحبوبة ، تحقيقاً للّذّة الخاصّة بذلك .
فهذان هما الطريقان اللذان ينتج عنهما ربط المسألة الخُلقية بالمسألة الفردية .
فالميزة الأساسية للنظام الإسلامي ، تتمثّل في ما يرتكز عليه من فهم معنويٍّ للحياة ، وإحساس خُلقيٍ بها ، والخطّ العريض في هذا النظام هو : اعتبار الفرد والمجتمع معاً ، وتأمين الحياة الفردية والاجتماعية بشكل متوازن . فليس الفرد هو القاعدة المركزية في التشريع والحكم ، وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشئ الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرِّع لحسابه .
وكلّ نظام اجتماعي لاينبثق عن ذلك الفهم والإحساس ، فهو : إمّا نظام يجري مع الفرد في نزعته الذاتية ، فتتعرّض الحياة الاجتماعية لأقسى المضاعفات ، وأشدّ الأخطار . وإمّا نظام يحبس في الفرد نزعته ويشلّ فيه طبيعته ؛ لوقاية المجتمع ومصالحه . فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته ، والأفراد ونزعاتهم ، بل يتعرّض الوجود الاجتماعي للنظام دائماً للانتكاس على يد منشئيه ، ما دام هؤلاء يحملون نزعات فرديةً أيضاً ، وما دامت هذه النزعات تجد لها - بكبت النزعات الفردية الأخرى ، وتسلّم القيادة الحاسمة - مجالًا واسعاً ، وميداناً لا نظير له للانطلاق والاستغلال .
وكلّ فهم معنويٍّ للحياة ، وإحساس خُلقيّ بها ، لاينبثق عنهما نظام كامل للحياة ، يُحسب فيه لكلّ جزء من المجتمع حسابه ، وتعطى لكلّ فرد حرّيته ، التي هذّبها ذلك
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 150
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص١٥٠