« والعالم أمامه سبيلان إلى دفع الخطر وإقامة دعائم المجتمع المستقرّ :
أحدهما : أن يُبدل الإنسان غير الإنسان ، أو تُخلَق فيه طبيعة جديدة تجعله يُضحّي بمصالحه الخاصّة ، ومكاسب حياته المادّية المحدودة في سبيل المجتمع ومصالحه ، مع إيمانه بأ نّه لا قيم إلّاقيم تلك المصالح المادّية ، ولا مكاسب إلّا مكاسب هذه الحياة المحدودة . وهذا إنّما يتمّ إذا انتزع من صميم طبيعته حبّ الذات ، وأبدل بحبّ الجماعة ، فيُولد الإنسان وهو لايحبّ ذاته إلّاباعتبار كونه جزءاً من المجتمع ، ولايلتذّ لسعادته ومصالحه ، إلّابما أنّها تمثّل جانباً من السعادة العامّة ومصلحة المجموع . فإنّ غريزة حبّ الجماعة تكون ضامنةً حينئذ للسعي وراء مصالحها ، وتحقيق متطلّباتها ، بطريقة مكانيكية ، وأسلوب آلي .
والسبيل الآخر الذي يمكن للعالم سلوكه ؛ لدرء الخطر عن حاضر الإنسانية ومستقبلها ، هو : أن يطوّر المفهوم المادّي للإنسان عن الحياة ، وبتطويره تتطوّر طبيعياً أهدافها ومقاييسها ؛ وتتحقّق المعجزة حينئذٍ من أيسر طريق .
والسبيل الأوّل هو الذي يحلم أقطاب الشيوعيّين بتحقيقه للإنسانية في مستقبلها ، ويعِدون العالم بأ نّهم سوف ينشئونها إنشاءً جديداً ، يجعلها تتحرّك ميكانيكياً إلى خدمة الجماعة ومصالحها . ولأجل أن يتمّ هذا العمل الجبّار يجب أن نوكل قيادة العالم إليهم ، كما يُوكَل أمر المريض إلى الجرّاح ويُفوَّض إليه تطبيبه وقطع الأجزاء الفاسدة منه ، وتعديل المعوجّ منها ، ولا يعلم أحدٌ كم تطول هذه العملية الجراحية ، التي تجعل الإنسانية تحت مبضع جرّاح ؟ وإنّ استسلام الإنسانية لذلك لَهْوَ أكثر دليل على مدى الظلم الذي قاسته في النظام الديمقراطي الرأسمالي ، الذي خدعها بالحرّيات المزعومة ، وسلب منها أخيراً كرامتها ، وامتصّ دماءها ؛ ليقدّمها شراباً سائغاً للفئة المدلّلة ، التي يُمثّلها الحاكمون .
والفكرة في هذا الرأي القائل بمعالجة المشكلة عن طريق تطوير الإنسانية ،
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 142
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص١٤٢