الاختلاف الطبيعي في الاستنباط الصحيح من النصوص ، وإنّما تنظر إلى التنازع في المواقف العملية ، وقد عمل المسلمون بهذين المبدأين لقرون ممتدّة ، إلّا أن الكثير من العلماء وتبعاً لاستدلالات عقلائية وتحوّطاً للأحكام الشرعية طرحوا فكرة اشتراط « الأعلمية » في مَن يجوز تقليده ، وذلك في خصوص موارد الاختلاف في الفتوى .
وقد كان لهذه الفكرة الدور الكبير في السوق نحو قيام « المرجعية » كظاهرة طبيعية على امتداد المسيرة .
كما لا ننسى أن بعض العلماء كانوا يمتلكون من العظمة والسّعة الحدّ الذي جعلهم مراجع لكلّ الأمة ، لا بل كادت شخصيتهم العلمية الضخمة تسدّ أبواب الاجتهاد كلّها ، وذلك كما يقال بالنسبة لشخصية المرحوم الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) .
كما يمكن أن نعتبر حالة التشرذم والاستضعاف التي كان الشيعة يعيشونها خلال قرون - وخصوصاً في العصور الأخيرة - وشوقهم لقيادة دينيةتجمع شملهم وتوحّد كلمتهم وتدافع عن حقوقهم ، من أهمّ العوامل في تركيز دور « المرجعية » فيحياة الشيعة وخصوصاً في العصور الأخيرة .
وقد قامت المرجعية بأدوار ضخمة في المجالات العلمية والاجتماعية والسياسية ولا يمكن أن ينكرها أحد .
وممّا ساعد على هذه الأمور قيام المرجعية بدور ولائي مستمدّ من النصوص التي تقرّر موضوع اشتراط الفقه في شخص « وليّ الأمر » الأمر الذي منح المرجعية القدرة على توحيد المواقف السياسية أحياناً ، وتنظيم عملية جباية الخمس والزكاة والوجوه الشرعية وباقي الضرائب ، وتنظيم الحوزات العلمية ، والقيام بالخدمات الاجتماعية الكبرى ، والاحتفاظ بالشخصية المستقلّة للعالم الشيعي .
ومنذ حدوث التطورات والتعقيدات الاجتماعية ، ونشوء الكثير من القضايا المستجدّة ، وتعقّد الكثير من المواقف السياسية والاجتماعية ، ونفوذ الكثير من العناصر المعادية ، اتّجهت المرجعية نحو تقوية جهازها وتوسيع معلوماتها وتنظيم أساليبها العلمية والعملية لمواجهة الموقف الجديد .
ماضي المرجعية الشيعية وحاضرها — صفحة 140
مساهمون: الشيخ محمد علي التسخيري
ص١٤٠