تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لباب النقول في موافقات جامع الأصول — صفحة 1779

مساهمون:

ص١٧٧٩
فقال : كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك ، فكان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءاً للَّه تبارك وتعالى ، وجزءاً لنفسه ، وجزءاً لأهله . ثم جزّء جزءه بينه وبين الناس ، فيردّ ذلك على العامة بالخاصة ، لا يدّخر عنهم شيئاً . فكان من سيرته من جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه ، وقسمه على قدر فضلهم في الدين : منهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج . يتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم ، ويقول : « ليبلّغ الشاهد الغائب » و « أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته » ممّن فاته « من أبلغ سلطاناً حاجة مَن لا يستطيع إبلاغها ، ثبّت اللَّه تعالى قدميه يوم القيامة » . لا يذكر عنده إلّاذلك ، ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون رُوَّاداً « 1 » ، ولا يتفرّقون إلّاعن ذواق « 2 » ، ويخرجون أدلّة « 3 » ، يعني فقهاء . قلت : أخبرني عن مخرجه ، كيف كان يصنع فيه ؟ قال : كان رَسُول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يخزُنُ لسانه إلّا ممّا يعنيهم ويُؤَلّفهم ولا يفرّقهم ، يكرم كريم كل قوم ويُولّيه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحَد بُشرَه ولا خُلُقَه ، ويتفقّد أصحابه ويسأل الناس عمّا في الناس ، ويحسّن الحَسَن ويقوّيه ، ويقبّح القبيح ويُوهنه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يَملّوا ، لكل حالٍ عنده عتاد ، لا يقصر عن الحقّ ولا يجاوز إلى غيره ، الذين يَلونه من الناس خيارهم ، وأفضلهم عنده أعمّهم لنصحه ، وأعظمهم عنده منزلةً أحسنهم مُواسَاةً ومُؤَازرة . فسألته عن مجلسه ، عما كان يصنع فيه ، قال : كان رَسُول‌اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لا يجلس ولا يقوم إلّا على ذكر ، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهى المجلس ، ويأمر بذلك ، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أنّ أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صاوبه حتى يكون هو المنصرف عنه ، . من سأله
هامش
( 1 ) . وقوله : يدخلون رواداً ، جمع رائد ، وهو الذي يبعث به القوم يَطلب الكلأ لهم ، فضربَ لهُم مثلًا لِمَا يلتمسون عنده‌من العلم والنفع في دينهم ودنياهم . ( 2 ) . ولا يتفرّقون إلّاعن ذواق : أصله الطعم ، ضربه مثلًا لما ينالون عنده من الخير . ( 3 ) . أدلّة : أي يخرجون من عنده بمَا قد عَلمُوه فيدلّون الناس عليه وينبئونهم به ، وهو جمع دليل .