والداعية ما يقرب من أربعين عاماً في جهد جهيد لا يعرف الكلل ، وارتحال ومشاقّ من أجل أن تتوحّد كلمة المسلمين ، نهجاً وتأسيّاً بقول رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام : « لن يصلح آخر هذه الأمة إلّابما صلح به أولها » .
وأقول الحقّ : إنني دخلت مجلس الإمام « صحفياً » يبحث عن ثغرات في دعوة التقريب ، ورغم القضايا المتشابكة التي حوّمنا حولها ، وحاولت قدر فهمي أن أتوقّف عندها ، إلّاأنّ دراية الرجل وحنكته وجلاء بصيرته سلبتني كلّ ملكات المناورة والبحث عن القصور . وهكذا ودّعت مجلسه وأنا أشدّ إيماناً بدعوته إلى سدّ الثغرات ، ودعم أواصر الفهم والاتّفاق ، واستشراف آفاق الإسلام الرحبة التي ترى في الاختلاف بين المذاهب رحمةً بالناس ويسراً !
ولم يكن من الصعب أن أتفرّغ لتسجيل نصّ حديثه وعباراته ومفرداته ، لكن فيض اللَّه على الإمام وإشراقاته أنستني مهمتي . . . وكأنّني مبهور ومسحور أمام ذلك الرجل المتجدّد الفكر الوافر الهمة ، وهو يسكب في حديثه روحاً وإشعاعاً وإيماناً وتجرّداً للدعوة التي نذر لها حياته وجهده وماله . . . حتّى تعود الأمة الإسلامية خير أُمة أُخرجت للناس !
ولست أدري كيف بدأنا الحديث ، ولكنّي أذكر الآن بعض آرائه وأفكاره التي ردّدها وسط مجلسه الذي ضمّ بعضاً من المتشيّعين لدعوته ، والعارفين لفضله ، ومريديه وتلاميذه الذين سمعوا عن زيارته لمصر ، فجاءوا ينهلون من مناهل علمه وروحه المتّقدة بالغيرة على الإسلام :
عندما تسود الدنيا بحالك الظلم والمظالم ، وعندما يتوه الناس بين دوائر الشرك والتخلّف والفرقة ، فذلك مناخ وزمان ظهور الأنبياء والرسالات ، والدعوة الجديدة دائماً وأبداً تحمل في طيّاتها روحاً جديدةً وتياراً متدفّقاً للإنقاذ والإغاثة ، وقلباً لكل الأوضاع البالية والمهترئة ، وإرساءً لنظام وقواعد بديلة يلتفّ حولها الناس ، ويعبّرون فوقها إلى ضياء الحقّ والخير والعدل والتقدم .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 290
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٩٠