عاجز عن معالجة ما جدّ ويجدّ من أمور ، وإمّا أن نقرّ بأنّ هناك اجتهاداً ، وأنّ مجاله هو هذا المجال .
ولا أظنّ أنّ مسلماً يرضى بأنّ نأخذ بالقوانين الوضعية التي لاتمت إلى ديننا بصلة ، بدلًا من أن نستنبط حكم اللَّه من شريعتنا الحيّة الخالدة .
على أنّ الاجتهاد نفسه له قيود ، فليس المجتهد من يحفظ قواعد الاستنباط كما يحفظ التلميذ كتبه الدراسية ، بل لابد من أن تكون له ملكة الاستنباط ، وليس كلّ من حصل على ملكة الاستنباط يؤخذ بقوله ، بل لابد بجانبها من ملكة العدالة ، وأيّ رجل يتّسع علمه إلى درجة تمكّنه من الاستنباط ، ويكون له من الاستقامة والتقى والورع ما يحقّق له ملكة العدالة ، يغلب ألّا يقع في خطأ أو يتورّط في متابعة الهوى .
وإذا كان بيان حكم الإسلام في ما جدّ ويجدّ من مسائل - سواء أكان الحكم بالسلب أو الإيجاب - يحتاج إلى دراية بها ، ودراسة لنظمها ، وإلمام بما يدور حولها من آراء ، فإنّ الفقه يتقبّل هذا ، وفقهاؤنا يرحّبون به كما رحّب أسلافنا بمثله ، فألمّوا بعلم الهيئة ( الفلك ) ليعرفوا القبلة ومواقيت الصلاة ، واهتمّوا بدراسة الرياضيات لينتفعوا بها في تحديد أنصبة المواريث ، ونبغ منهم كثيرون في هذين العلمين . هذا هو تاريخ الفقه الإسلامي مجملًا ، ولكنّه واضح كلّ الوضوح ، وللمسلمين في عصرنا الحاضر أن يأخذوا منه العبرة التي تجعلهم حرّاصاً على شريعة اللَّه كما حرص أسلافهم الصالحون ، والتي تجعلهم يفتحون آفاقاً جديدة أمام الناظرين في هذه الشريعة ، والتي تحتّم عليهم أن ينظروا في فقه كلّ مذهب ، لأنّ العلم لا يقاطع ولا يكتم ، وفقه كلّ مذهب ملك المسلمين جميعاً .
ونحن إذ نقدّم هذا الكتاب ، إنّما نقدّم فقه مذهب يعمل به ما يقرب من خمس المسلمين ، حُجب عن الجمهور قروناً ، لا لمأخذ عليه ، بل لقطيعةٍ سببها التعصّب الطائفي ، وغذّتها السياسات المفرّقة .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 275
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٧٥