يمكن أن يحتفظ كل فريق برأيه فيها وأن يحترم رأي غيره ، فإذا كان المسلمون قد استطاعوا أن يقفوا أمام خلافاتهم الفقهية في العصر الأخير موقف التسامح ، ولم يعد بينهم من يعتدي على مخالفه في الرأي - كما فعل الذي كسر أصبع صاحبه لأنّه يرفعها في التشهّد - فإنّهم قادرون على مثل ذلك في آرائهم الفكرية ومعارفهم التي لا تتصل بالعقائد ، ولا تشترط في الإيمان .
وها نحن أُولاء نرى الأزهر الشريف يدرّس الفقه المقارن بين جميع المذاهب - بصورة إجمالية نرجو أن تكون فيما بعد تفصيلية - دون تمييز بينها ، ولا اقتصار على بعضها ، ونرى كبار شيوخه يشتركون في لجان القوانين ويفتّشون عن أقوال الأئمة الموافقة لمصلحة الأمة ، فيعدلون أحياناً عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب غيره ، بل يعدلون عن الراجح في مذهب أبي حنيفة إلى المرجوح ، وقد يخرجون عن دائرة مذاهب السنّة الأربعة إلى مذهب أخر ، كما فعلوا في قانون الطلاق والوصية وغيرهما ، إذ أخذوا برأي ابن تيمية وابن القيّم والشيعة الإمامية ، وكل ذلك قد تمّ بهدوء ورضى وإقبال دون تحرّج ولا تذمّر ، وأدرك الناس ما فيه من مصلحة وراحة وتيسير ، فماذا عليهم لو استقبلوا ما وراء الفقه كما استقبلوا الفقه ، وما الفرق بين الفروع العملية والفروع العلمية ، وكلّها ليست خلافات جوهرية تنهض سبباً للقطيعة والخصومة ؟ !
هنا نقف قليلًا لنقول : إنّ هذه المشكلة الأخيرة ، قد وجد اليوم - وللَّه الحمد - من يعالجها ، فهاهي ذي جماعة التقريب تسير فيها باتّزان وتعقّل وحزم ، وقد تمكّنت في مدة وجيزة من أن تلفت العالم الإسلامي إلى دعوتها ، وإنّا لنرجو اللَّه أن يوفّقها في إنجاز مهمتها .
إنّه لجدير بالمسلمين أن يدركوا أنّهم بتخلّصهم من هاتين المشكلتين ، يمكنهم أن يفيدوا من هذه الفرصة السانحة ، وينهضوا بأمتهم نهضةً مباركةً ، ويصدّوا عن بلادهم كلّ عدوان .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 213
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢١٣