يحتفظ باعتداله ويلتزم مبادئه فهو الصالح المستحقّ للبقاء ، وهو القادر على شقّ طريقه وبلوغ غايته رغم ما يعترضه من صعاب .
أقول هذا بمناسبة مرور عشر سنوات كأمة على فكرة التقريب ، أقوله وأنا أذكر كيف ولدت الفكرة ، وكيف احتضنها رجال مخلصون من العلماء والمفكّرين ، لأنّها جاءت على أساس تقريب الذين باعدت بينهم آراء لا تمسّ العقائد التي يجب الإيمان بها ، وتعريف كلّ طائفة بالأخرى ، والاتّفاق على النقط الوفاقية ، وأن يعذر المسلمون بعضهم بعضاً في كلّ ما له دليل من مسائل فيها مجال للنظر والبحث ، وإزالة الافتراءات التي أدخلت على كلّ طائفة ، ودعوة كلّ طائفة إلى النظر في كتب غيرها والأخذ بما فيها لا بما يقوله عنها المخالفون ، جاءت لترفع العداوة والبغضاء من بين إخوةٍ كتابهم واحد ، ونبيّهم واحد ، وقبلتهم واحدة ، يحجّون إلى بيت اللَّه الحرام . ولا يختلفون في صلواتهم ، لا في عددها ولا في ركعاتها وسجداتها ، ويصومون رمضان ، ويؤدّون الزكاة ، ويؤمنون بكل ما يؤمن به المسلم من عقائد ، جاءت تدعو إلى ذلك كلّه بعد أن مزّقت الخلافات الأخوّة الإسلامية ، وجرحت الأقلام المفرِّقة عواطف المسلمين وقلوبهم .
ولم يكن بمستغرب أن تجد هذه الدعوة رجالًا من ذوي الفكر ، يمثّلون المذاهب الأربعة المعروفة والإمامية والزيدية ، يلتفّون حولها ويعتنقونها ، ويعلنون على العالم الإسلامي نبأ تكوين جماعة التقريب . ولم يكن بمستغرب كذلك أن يجدوا في كلّ بلدٍ إسلامي من يمدّ يده إليهم ويبايعهم ، وأن يجدوا أقلاماً تخدم فكرتهم ، ومؤتمرات تتبنّاها ، ومعاهد وجامعات تأخذ في دراستها .
لكن هذا كلّه لم يكن يكفي ، ورجال التقريب أنفسهم لم يتوقّعوا أنّ مثل هذه الدعوة الخطيرة يتقبّلها الجميع بيسر ، فهم أول من أدرك أنّ سوء التفاهم ليس وليد أعوام عشرة أو عشرين ، بل وليد قرون وقرون ، وقد غذّته السياسة المختلفة ، وشجّعه أولو الأغراض من الحكّام الذين حكموا باسم الطائفية ، فوق أنّ دعايات
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 150
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٥٠