ثم يطوف بهم ، يسألهم جماعةً جماعة : هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ فيقال له : ولد لعبداللَّه بن عبد المطلب غلام .
فكأنّما يتخبّطه مسّ من الجنّ ! إنّه ليلهث ، قلبه يجب وجيب « 1 » أرض داهمها زلزال ، عيناه تدوران في محجريهما من هلع ، كمن يرى الموت يقبل عليه بمنجله ليحشّه « 2 » .
ملامحه تفرز الحقد ، فمه يتلمّظ « 3 » الغيظ ، ثم يخرّ صعقاً .
حتى إذا ما أفاق ، ورأى على بعض الوجوه ما ينمّ عن استبشارها بخبره ، فحّ « 4 » كالثعبان ينفث سمّه ، وصرخ فيهم : أما واللَّه ليسوطنّ بكم سطوةً يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب .
ويتبع قوله - متحسّراً - همهمةً محمومةً كأنّما يخاطب نفسه : واللَّه ذهبت النبوة من بني إسرائيل « 5 » .
فإن يكن عجب فالعجب له إذ يعرف ثم يتجاهل ما يعرف ، أوَ ما هدته كتبه أنّ علمه حقّ ؟ أوليس وقومه اليهود موقنين من مجيء كتابٍ من لدن ربّهم مبين ، على يد هذا الآتي المختار : هدى ونوراً للعالمين ؟
أفينكرونه
« وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ »
« 6 »
.
« أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ »
« 7 »
.
وعندما تسأل قريش كبيرها عبد المطلب عن ابن عبداللَّه : يا أبا الحارث ، ما
هامش
( 1 ) . وجيب القلب : خفقانه .
( 2 ) . يحشّه : يقطعه .
( 3 ) . يتلمّظ : يدير لسانه في فيه ويحرّكه .
( 4 ) . فحّ : نفخ فأحدث صوتاً كالثعبان .
( 5 ) . البداية والنهاية 2 : 248 عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وعزاه إلى ابن إسحاق .
( 6 ) . الشعراء : 196 .
( 7 ) . الشعراء : 197 .