فالعالم يرتجف ويميد ، وبنيان البيت الحرام يرتجّ ، والأصنام من مواقعها فيه تسقط مكبّة على الوجوه ، منكوسة الرؤوس .
* * * ومن وراء « أُم القرى » ، وفيما حولها ، وبين ربوعها ، أخذت يد اللَّه تجري على بعض نواميس الطبيعة بالتغيير ، راحت خوارق كونية ، وعجائب حدثية ، تتوالى هنا وهناك على امتداد الأبعاد ، بياناً من بعد بيان .
بمدينة « يثرب »
على مسافة مئات الأميال من مكّة ، في نفس أوان الميلاد ، وبعيداً بعيداً عن موضح المولد ، يهبّ من أهلها يهودي ذو علم ، وعى ما في أسفار الأوّلين ، فيعتلي أَطمة « 1 » مرتفعة من الآطام ، ويصرخ بصوت مستغيث ملهوف : يا معشر يهود ! يا معشر يهود !
فيهرع إليه قومه على عجل وتوجّس ، يسألونه نبأه : ويلك ! لماذا تصيح ؟
فيجيب ، وفي نظراته رعب ، وفي نحره مثل حشرجة ، ورأسه تتدلّى على صدره كأنّه ذبيح : طلع الليلة نجم أحمد « 2 » .
* * *
وبمكة أيضاً
في أندية قريش ، في ذات الموعد ، آخر غيره ، من بني جلدته ، كأنّه خياله ، ينتفض كانتفاضته ، يبغت « 3 » مثل بغتته ، يهتف في الناس : ولد الليلة نبيّ هذه الأُمة وهو منكم معاشر قريش .
هامش
( 1 ) . الأطمة : جمعها الأُطُم والآطام ، وهي كل بناء مرتفع ، من حصن وبيوت وغيرها .
( 2 ) . البداية والنهاية 2 : 248 - 249 يرويها عن حسّان بن ثابت ، وعزاه إلى محمد بن إسحاق .
( 3 ) . يبغت : أي يقفز فجأةً .