ليست الصدفة وحدها - بحال من الأحوال - هي التي حرّكت ذينك الحدثين عشوائياً لينساقا إلى التلاقي في مثل هذا الالتقاء ، بل التدبير العلوي هو الذي ساقهما هذا المساق ، بل الصدفة أيضاً يحكمها قانون مقدور ، لا يحيط بسرّه وعي الوعاة .
بل كلتا الواقعتين إيماء إلى ما سيطلع عليه غد قريب ، إلى صباح في ضمير الزمان يحمل للعالمين الصفاء والنور .
فالنار تهمد ، استجابةً لداعٍ دعاها أن : كوني سلاماً سلاماً ، واخشعي وقومك لرسالة السلام والإسلام التي سوف تجيئك من جهة الغرب ، عبر تيار مجرى دجلة وأوادي « 1 » ماء الخليج .
والبحيرة تنضب ، وتصبح أرضاً جافّةً يابسةً ، كأنّما لكي تعلم الدنيا أنّ أهل الجدب والمَحْل « 2 » ، أولئك المقيمين في متاهات الرمل
« بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ »
« 3 » عند البيت الحرام ، هم بفضل ربّهم ، وبقوة الإيمان ، أصحاب الغلبة على أهل الجنى « 4 » والظلال .
* * * ولا يغيض هذا المعين الميمون ، تتابع على الأيام ، من قبل « الميلاد » وبعده ، وعلى امتداد مراحل عمر الوليد الموعود توالت البشارات والآيات ، وهي تتواكب بشارة بشارة ، وآية آية حتّى يكون آخرها القرآن .
ودَعْ عنك منها ما سجّلت صحائف الأَولين ، وما هجس في صدور البَرَرَة الأنقياء ، وما شأمت فراسات « 5 » الكُهّان ، وما تلاغط « 6 » به في صوامعهم الأَحبار .
هامش
( 1 ) . الأوادي : التعرّجات والتثنّيات في الخلجان .
( 2 ) . المَحْل : الجدب ، انقطاع المطر ويبس الأرض .
( 3 ) . إبراهيم : 37 .
( 4 ) . الجَنَى : جمعه أجناء وأَجْنٍ ، وهو ما يُجنى من ثمر وغيره .
( 5 ) . شَأَم شَأماً : تشاءَمَ ، وجرّ على نفسه الشؤم . والفراسات : جمع فِراسة ، وهو إدراك الباطن من نظر الظاهر . والكُهّان : جمع كاهن .
( 6 ) . تلاغَطَ : تصايح بأصوات مبهمة لا تُفهم محدثاً جلبة .