إلى دعوة إبراهيم ، يوم رفع وإسماعيل القواعد من البيت ، ومنذ مئات السنين ، ثم دعا ربّه :
« رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
« 1 »
.
إلى « بشرى » عيسى بن مريم ، إذ قال لقومه :
« إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ »
« 2 »
.
أَوَ لم يفصح عليه الصلاة والسلام للناس عن كنهه بعد بعثته بسنين ، فقال : « أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى » « 3 » ؟
بلى ، قد أفصح وأبان .
وها هي آمنة أُمه - عندما حملت به - ترى رؤيا ، لها نفس معنى ما رأى جدّه الشيخ الوقور ، هاتف مبارك ينفث في روعها ، وهي وسنانة « 4 » ، حقيقة الجنين ، يزفّ إليها النبأ العظيم : « إنّك حملت بسيّد الأنام » « 5 » .
ونكست رؤوسها الأصنام .
* * * فأيّ سعادة تلك التي ملأت قلب السيّدة الفضلى ، وإنّها لأكبر من أن تتّسع لها رحاب الأكوان ؟ أيّ بشر غمرها ، إذ علمت أنّها المختارة من لدن اللَّه لتكون الوعاء الطهور للمختار ؟ أيّ فرحة كانت تحلّق بها ، بجناحي الشوق والأمل ، في سماء المستقبل ، وهي تعدّ - بالثواني واللحظات - الأيام الباقية ليجيء ذلك المحمود من الأرض والسماوات ؟
هامش
( 1 ) . البقرة : 129 .
( 2 ) . الصف : 6 .
( 3 ) . رواه ابن سعد في الطبقات 1 : 96 ، وابن كثير في البداية والنهاية 2 : 275 .
( 4 ) . وَسِنَ وَسْناً : أخذه ثقل النوم أو اشتدّ نعاسه ، فهو وَسِنٌ ، وهي وَسِنَة ووسنانة ووسنى .
( 5 ) . سيرة ابن هشام 1 : 158 ، البداية والنهاية 2 : 245 .