إنّ جفاف الصحراء لماء ونماء ، وإنّ القفر « 1 » لخضرة ونضرة ، وإنّ المحلّ لجنىً وظلّ ، والرمل تبر « 2 » ، والحصى درّ ، كلّ الأصوات أغاريد ، وكلّ المرائي بسمات .
وإلى بضعة أعوام مرّت عليه بعد يومه هذا ، نما فيها الوليد بعض نموٍّ ، كان عبد المطلب يستشعر العذوبة والرفق والجمال ترفّ حوله على الحياة ، ويعيش في جنّة - دانية قطوفها - من الرجاء .
* * * فيا لبشراه ! ما أعظم وأجلّ هذا الذي تفتّق عنه سرّ رؤياه !
وإذا كان ما رآه في منامه أنبأه أن لن يناله نصيب ممّا سيأتي به الوليد ، الذي لم تشرق بعد على العالمين شمسه ، أفليس بحسبه أن يجيء بضعة منه ؟ قطعة من قلبه ؟ فلذّة « 3 » من صلبه ؟
اسمه يقترن باسمه ؟ حياته تتجدّد في حياته ؟ ذكراه تعيش في ذكراه ؟
لسوف يلازمه ، عصراً وراء عصر ، على مدى الدهر ، إلى الأبد الآبد ، حتّى فناء الأرض والسماوات .
أفليس هذا حسبه ؟
بلى . . . كفاه ، وكفاه !
* * * وتنتشر قصة الرؤيا والتأويل ، في كلّ مكان تصبح محور الحديث ، في مجالس القوم عند حرم اللَّه ، في ندوات قريش ، فيما وراء البلدة المقدسة من تخوم « 4 » وحدود ، في مساري التجارة والتجّار ، في متاهات الجدب « 5 » ومواطن الماء ، في مرادات
هامش
( 1 ) . القَفْر : الخلاء من الأرض ، لا ماء فيه ولا ناس ولا كلأ .
( 2 ) . التِبْر : الذهب غير المصوغ ، أو في تراب معدنه .
( 3 ) . الفِلَذّة : القطعة من الكبد أو اللحم أو غيرهما .
( 4 ) . التُخُوم : واحده التُخْم والتَخْم ، وهو الحدّ .
( 5 ) . الحَدْب : انقطاع المطر عن مكان فَيَبُست أرضه .