شهدوه يرنو « 1 » إليهم بشفقةٍ وإشفاق ، يسكب رفقه وحنانه في عيونهم الحيرانه ، يمسّ قلوبهم مسّ طيف ، يمسح الخوف ، ويضفي الطمأنينة .
فإن هي إلّالحظات ، حتّى تبيّنوه ينأى « 2 » عنهم ببصره وفكره ، بقلبه ولبّه ، بباله وخياله ، بكلّ مشاعر وجدانه .
في الفضاء سبحت عيناه ، نحو ما وراء مدارات النجوم والكواكب انطلقت روحه ، فوق بقعة غير مرئية في السماوات العُلى اطمأنّ جبينه المشرق ، كأنّما يلاصقها ساجداً للَّه .
* * * وآب « 3 » إليهم آب من سبحاته القدسية هذه ، فإذا هم يرونه على غير ما ظنّوه سيكون ، على غير ما ألفوا قبله في إنسان .
هيئته هيبة ، سمته وقار ، ملامحة دعة ، حوله هالة من قداسة تنحسر عنها الأبصار .
لاح لهم - وهو منهم قريب - كأنّه بعيد ، ولاحوا لأنفسهم كأنّهم عنه غيَّب « 4 » ، وإنّهم لشهود !
أفقام بينه وبينهم حجاب ؟ أم انسدل سجاف « 5 » منشور من نور ، من خلفه نور ، ومن أمامه نور ؟ أم غاب عنهم ، ثم جاءهم آخر غيره كلّه ضياء وصفاء من وراء ستر الغيوب ؟
* * *
هامش
( 1 ) . يرنو : يديم النظر إلى الشيء بسكون الطرف .
( 2 ) . ينأى : يبتعد .
( 3 ) . آبَ : رجع وعاد .
( 4 ) . غُيّب : جمع غائب ، وهو ضدّ الحاضر .
( 5 ) . السَجاف والسجافة : والسجيف الستر والحجاب .