ثم برقت لهم ومضة « 1 » ، أوشكوا - إن هم أُوتوا القدرة على الاستشفاف - أن يعرفوا من خلالها ما يكنّ ضميره ، وتضمر أساريره ، لكنّهم رأوا فيه الملموس ولم يدركوا المحسوس .
فما صَفَت منهم القلوب ، ولا شفّت النفوس ، وما عنت « 2 » منهم الوجوه للَّه ، وما اهتدوا لحقيقة الحياة ، وما صغوا إلّالإبليس ، وما عبدوا إلّاصنماً نحتوه أو وثناً صنعوه .
كلّ ما وسعهم أن يشهدوا في الأمين عندئذٍ ، لم يكن سوى بضع حبّات من العرق تتدحرج من منبت شعره إلى وجنتيه كقطرات دموع ، وعرقٍ نافر نقيّ الزرقة يعترض جبهته ، وعقدةٍ كالغُرّة تربط ما بين حاجبيه ، ومظاهر بال مشغول .
ربّما لأنّهم حسبوه مكدوداً « 3 » أو كالمكدود ، ربّما لاستشعارهم أساه على ما همّوا به ، وأوشكوا أن يقترفوه ، ربّما لما نضحت به ملامحه من جدّ التفكير .
فليتهم أصابوا التقدير ، إذاً لما غاب عنهم أنّ جهد الرحلة النورانية التي ساحت أثناءها روحه في السماوات العُلى هو الذي طبع محيّاه بتلك الآثار ، ولما فاتهم أنّ الذي بلغته أعينهم منه كان بشائر إلهام ، ولما أغفلوا - ضلالةً وجهالةً - أنّ ذكر الحجر الأسود الأغر - مطافهم في الدنيا - قد ذكره عرش اللَّه - مطاف الأرواح في الأولى وفي الآخرة - فامتلأ كيانه بروعة الجلال .
* * * وفي لحظة إلهام ، في الوقت الموعود ، في الأجل المحدود ، جاءهم بما عجزت عن تحقيقه العقول والأفهام ، وعييت دونه الأخيلة والأوهام ، ونضت « 4 » الحماقات من أجله السيوف ، وراشت السهام .
هامش
( 1 ) . الوَمْضة : اللمعان الخفيف .
( 2 ) . عنت : خضعت .
( 3 ) . المكدود : أي المغلوب .
( 4 ) . نضت السيوف : سلّت وانتزعت .