بإرهابٍ غلّاب « 1 » ، يحطّم ثقتهم ، ويهزّ كبرياءهم ، ويهوي بغلواء طغواهم ، فإذا هم - بتعبيرنا المعاصر الدارج - في « الحجم » الطبيعي الذي ينبغي أن يكونوا فيه .
أم يحسب حاسب أنّهم أمنع على اللَّه وأشد شكيمةً من صاحب اليمن ، وكسرى فارس ، وقيصر الروم ؟
أم هم أعظم قوةً ، وأصلب أيداً من كلّ تلكم القدرات الطاغية التي كان دأبها الدائب ضرب الإسلام ، وتفتيت كيانه ، فإذا عالم الغيب والشهادة الجبّار ذو البطش يملي لهم بعض إملاء ، ثم يمزّقهم شرّ ممزّق ، ويقتلع بنيانهم من الأُصول ؟
في الأُولى - يوم الإسراء - يقع الإنكار .
تقول أُم هانئ بنت أبي طالب عن ليلة الإسراء : إنّ رسول اللَّه نام عندي تلك الليلة ، في بيتي ، فصلّى العشاء الآخرة ، ثم نام ونمنا . . . فلمّا كان قبيل الفجر ، أهبّنا رسول اللَّه . . . فلمّا صلّى الصبح ، وصلّينا معه ، قال : « يا أُم هانئ ، لقد صلّيت معكم العشاء الآخرة ، كما رأيت ، بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصلّيت فيه ، ثم صلّيت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين . . . » .
تقول السيدة : فقلت له : يا نبي اللَّه ، لا تحدّث به الناس فيكذّبوك ويؤذوك .
قال : « واللَّه لأُحدّثنهموه » .
وحدّثهم فكذّبوه ! وقال كثيرون : إنّ العير لتطرد « 2 » شهراً من مكّة إلى الشام مدبرة ، وشهراً مقبلة ، أفيذهب محمد ويرجع في ليلةٍ واحدةٍ ! !
وفي الثانية - يوم الخندق - لا تهتزّ العقيدة .
يقول المنافقون : بل قد أنذرهم قبل أن يحم فيهم القضاء .
هامش
( 1 ) . الغلّاب : صيغة مبالغة من « الغالب » .
( 2 ) . تطرد شهراً : تستمرّ في السير شهراً .