تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
لكأنّما جمع اللَّه لنبيّه الدنيا كلّها ، ووضعها في كفّه ، ثم قال : هاك ، أو كأنّما قد أُسري بعينيّ الرسول لتريا أطراف العالم جميعها وإن اختلفت المواقع ، وتفرّقت الأوضاع ، وتشتّت المسافات ، بل كأنّما قد عُرج به أيضاً ، نوعاً آخر من العروج . فلئن كان قد عُرج به - من قبل - علوّاً في مدارج السماوات إلى عرش اللَّه ، فلقد عُرج به هذه المرة علوّاً في مدارج الزمن إلى علم اللَّه ! انتقل صعداً من « الآن » إلى ما بعد « الآن » ، إلى سنين غير هذه السنين تحتوي الفتح المبين . فأمّا إذ رأى المسلمون وهج الضوء ، ثم طالعهم الرسول بما رأى من نصرٍ مقبلٍ لم يزل بعد جنيناً في بطن الغيب ، فتلك آية أُريد بها تثبيت عزائم أتباعه ، ورفع روحهم المعنوي في وقتٍ كانوا يعانون فيه البأساء والضرّاء ، وتوشك أن تتخطّفهم المصارع ، يأتيهم بها عدوّهم من أمامهم ومن خلفهم ، عن أيمانهم وعن شمائلهم ، من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، فلا يكادون يعرفون أين النجاء . ومع ذلك فلم ينكصوا على الأعقاب ، لم يرتدّوا خطوةً واحدةً إلى الوراء ، ظلّوا صابرين مصابرين حتّى أتى نصر اللَّه . فبينا نرى يوم الإسراء الأكبر كثرةً من المسلمين قد غلب عليهم الريب في النقلة بين القبلتين ، وفي رحلة السماء ، فصبأوا عن الدين الحقّ ، إذ نرى يوم الخندق المسلمين أجمعين أشدّ صبراً على البلاء ، وأوثق تصديقاً برؤى الرسول ، حتّى لقد كبّروا تكبير الفتح ، وكأنّما قد امتلكوا فعلًا بلاد اليمن فارس والروم . وذاك وقوف في وجه فتنة الشكّ والارتياب أعظم درجةً من الثبات لضرب السيوف وطعن الحراب . وبينا نرى أنّ المعراج كان غَسولًا لأحزان رسول اللَّه أن فقد خديجة حاضنة الإسلام ، وأبا طالب حامية ، وكان تأنيساً له أيضاً بعد أن تجهّمه « 1 » الناس ، إذ نرى
هامش
( 1 ) . تجهّموا الناس : عبسوا بوجهه ، أعرضوا عنه .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 516 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود