وانتقال المرائي والمسامع في إبّانه في شاهد لغائب ، لهو حقيقةٌ واقعةٌ ، ويقينٌ من يقين ؟
ولقد حدث هذا بعد بضعة أعوام ، بين سارية بن حصن وعمر بن الخطاب ، فسمع عمر استغاثة سارية ، ورأى الكرب الذي يعانية ، فدلّه على الخلاص « 1 » .
وملكات الأنفس البشرية أسرار وأعاجيب ليس لها حدود .
فإذا شطّ بامرئ تفكيره ، فخال الزهراء قد توسّمت جلالة الفتح المرتقب الذي رأى أبوها معامله على لمع البرق ودويّ الطَرْق ، فهل من تثريب ؟
نحن لا نقول : إنّها رأت ، وليس ثمّة - على أنّها رأت - دليل منقول ، لكنّنا أولى بألَّا ننكر عليها حدّه ملكة الاستشعار ، وألَّا نغمطها « 2 » حدسها الصادق الذي لا يمين .
وكيف عسانا ننكر ونغمط وهي بضعة الرسول ، والبضعة من الكلّ . . . كيانها من كيانه ، ملكاتها من ملكاته ، صفاتها من صفاته ، مزاياها من مزاياه .
فإن يكن أحد في المسلمين قد استشعر خطورة ما ينبئ عنه هتاف الهاتفين ، وتكبير المكبِّرين ، من فتحٍ مبينٍ ، فإنّها إذاً أول المستشعرين !
* * * ومن الحقيق بالذكر أن يقال : إنّ النظرة التي تُعنى بتعمّق حديث الخندق أخلق بأن تقف أمام حدث الصخر والشرر وقفة تأمّلٍ وإمعان فكرٍ ترجع بها على جناح الذهن إلى الوراء بضع سنين ، لتتراءى في مرآة حديث الإسراء ، فلا يكاد الحدثان إلَّا يتشابهان صورة وصورة ، لأنّهما يتضاهيان في الإجمال وإن تباينا في التفصيل .
فلقد أسرى اللَّه بعبده المختار من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فإذا الرسول قد انتقل بين القبلتين ، ثم رجع - عوداً على بدء - إلى حيث كان ، وإذا هو قد طُوِّق في نقلته الإعجازية بالسماوات العُلى ، ليرى - من آيات ربّه الكبرى - كبرى
هامش
( 1 ) . أورده محمد الجزري الشافعي في أسنى المطالب : 265 وقال معقّباً : روى قصّته الواحدي والبيهقي بسند ضعيف . وفيه : « الحصين بن سارية » .
( 2 ) . غَمِطَ النعمة : لم يشكرها .