ماذا كذلك غير « التثليثية » التي تدّعي أنّه - سبحانه - ثالث ثلاثة ، كلّهم إله ؟
ماذا أيضاً غير « الازدواجية » التي تُثنّي اللَّه في إلهين : ظلمة ونور ؟
فإن يكن فتحاً فهو العودة إلى الفطرة السويّة ، وتوحيد العالمين أجمعين على « وحدانية » اللَّه . . . ودون ذلك ملل ونحل ومذاهب تحميها نظم سياسية طاغية ، تتسنّم عروشها « شاهنشاهية » الأكاسرة ، وإمبراطورية القياصرة ، « ونجاشية » الأحباش .
نعم ، ولا جدال .
فَحِزَمُ قريش ، وشراذم يهود ، وجماعة القبائل الذين تحزّبوا عند ذاك ضدّ الإسلام في رباط ، هم أهون شأناً من أن تلعلع « 1 » بالفلج عليهم هذه التكبيرات التي انبعثت من قلب الرسول وقلوب أصحابه يوم الخندق عبر حناجرهم ، لتردّدها وراءهم - تسبيحاً بعظمة اللَّه واقتداره - رمال الصحراء وكواكب السماء !
وأيّما امرئ في الناس شهد ذلك المشهد ، وسمع ذلك الهتاف ، حريّ بأن تحدّثه نفسه بالفتح المبين الذي لن تلبث أن تنجاب عنه سجاف الغد ، وتتكشّف أسرار المستقبل ، بعد حينٍ قد يظنّ أنّه بعيد وما هو ببعيد .
أفلم تكن بينهم نظرة نافذة ، ترى بعين التخيّل الملهم ما لا تدركه الأبصار ؟ أو أُذن غيبية تسمع بشارة القدر من خلف حواجز الأبعاد الزمنية وآماد المسافات ؟ أو حدس صادق يتوفّز شوقاً لاستقبال نصر اللَّه المكنون ، ويسبق إليه خطوات السنين ، ودورات النجوم والأفلاك ؟
لِمَ لا . . . وإنّ « الإحساس » بالمجهول وإن شتّ البُعد ، ونأْت المحسوسات - مكاناً وزماناً - لشيء وارد ومعلوم ؟ وإنّ « التخاطر » للُغةٌ مفهومة ، تعرفها الأنفس المشرقة ، إذا ما تطابقت حسّاً بحسّ ، وتوافقت وجداناً بوجدان ؟ وإنّ تبادل الشعور على البُعد « 2 » ،
هامش
( 1 ) . لعلع الصوت : إذا ارتفع وهزّ الفضاء من حوله .
( 2 ) . البُعد : أي التلباثي ( المؤلّف ) .