الطَرَقات ، وسمعت « اللَّه أكبر » تلهج بها ألسن المجاهدين مردّدة عن رسول اللَّه ، ثم تأنّست بالنصر العابر إليها من المستقبل المجهول على بحر التكبير .
فإن تكن أنست - وما أخالها إلَّاكذاك - فأيّ نصر شامت غير نصر كبير ؟
أنكسة لأعداء اللَّه ؟ أردّة دون الخندق إلى الوراء ؟ أدحرة وانقهار ؟
بل أكثر من هذا بكثير .
فتهليل المجاهدين كان ينبئ عن شيءٍ أكبر من مجرّد الظفر بمعركة عادية مهما يقال فيها ، لن تبلغ حدّ الفصل بين عهد أشرق وعهد غرب ، لأنّها وقعة كعشرات مثلها توالت على طريق الكفاح الذي يؤدّي - عاجلًا أو آجلًا - إلى تغيير وجه التاريخ .
إن هي - هكذا - إلَّاحلقة من حلقات الصراع الطويل ، ينقشع « 1 » غبارها عن غالب ومغلوب ، ثم تهدأ النائرة تحت الرماد لتندلع من جديد .
وليس على مثل هذا تدلّنا رؤية الرسول يوم تهشمت تحت معولة تلك الصخرة المروة البيضاء ، ولا يدّلنا ارتفاع أصوات حُفّار الخندق بالتهليل والتكبير ، حمداً للَّه وشكراً لنعمائه على ما أوحى به إلى رسول اللَّه ، وأوحى به حديثه يومئذٍ إلى أصحابه من نصر عظيم .
بل فتح عظيم !
بل غلبة كاملة للإسلام على ما حوله من مكامن الخطر التي كانت - إلى تلك اللحظة - لا تفتأ تصدّ تيّاره ، وتردّ انتشاره ، وتحول بينه وبين طيّة « 2 » الملل الرواكد ، والعقائد البوائد التي ما زالت بقاياها تنال من وحدانية اللَّه جلّ جلاله ، وتشدّ الفكر الإنساني الصائب إلى الوراء .
وماذا ترى كان يخدش قداسة الربوبية ، ويطمس في العقول « التفرّد » الإلهي ، غير تلكم « التعدّدية » المتمثّلة في الأصنام ؟
هامش
( 1 ) . انقشع : انكشف ، زال .
( 2 ) . طوى الشيء يطويه طيّاً : إذا ثنّاه .