وكان الخندق عندئذٍ قد اكتملت سلسلته ، حلقات متّصلة ، إلَّامن صخرةٍ هنا اعترضت مسيرته ، وأُخرى هناك استعصت على طَرَقات الفولاذ .
فبينا نفر يحفرون في ناحية ، اشتدّت عليهم كدية « 1 » ، فشكوها إلى رسول اللَّه ، فدعا عليه الصلاة والسلام بماءٍ نفح به تلك الكدية ، يقول من حضر : فوالذي بعثه بالحقّ ، لانهالت حتّى عادت كالكثيب ، ما تردّ فأساً ولا مسحاة .
وقيل : وكان سلمان وجماعة من المسلمين يعملون في ناحيةٍ من الخندق ، حتّى إذا بلغوا الندي ظهرت لهم صخرة بيضاء مروة « 2 » ، فكسرت حديدهم ، وشقّت عليهم ، فأُخبر الرسول عنها ، فجاة ، فأخذ المعول ، وضرب الصخرة ضربةً صدعت ثُلثها ، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة ، حتّى كأنّها مصباح في جوف ليلٍ مظلمٍ . . . ثم ضرب الثانية فصدعت ثُلثاً آخر ، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة ثم ضرب الثالثة فصدع ثُلثها الثالث ، وبرقت برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة ، فسأله الناس عن ذلك النور .
فقال : « لقد أضاءت لي الأُولى قصور الحيرة ومدائن كسرى ، ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم ، ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء » « 3 » .
وكبّر الرسول تكبيرة الفتح ، وكبّر المسلمون مستبشرين .
* * * وكذلك شاء ربّك أن تتحوّل - تحت ضربات معول الرسول - تلك الطرقات المسموعة إلى مرئيات ، أوتترحّل تلك البرقات الوامضة عبر المسافات لتكرّ عائدة ، كرّ الطرف ، فتجيء إلى النبي حيث كان ، وعلى أجنحتها قصور فارس والروم وصنعاء . . .
تماماً كما جيء لسليمان بعرش سبأ ، وما قام من مقامه ، ولا طرفت عيناه .
هامش
( 1 ) . كدية : صخرة لا يعمل فيها المعول .
( 2 ) . المَرْو حجارة بيض برّاقة ، تُقدح منها النار ، واحدها مَرْوَة ، وبها سمِّيت المروة بمكة .
( 3 ) . البداية والنهاية 4 : 101 .