عن مواقعهم عند الجبل ذلك النفر الذين أغرتهم الأسلاب ، ولا أحفظ لهم من استبعاد أهل النفاق من صفوفهم لأنّهم قوم لا يُؤمَنون ، ولا يؤمنون .
ونشط الناس للخروج . . . حتّى الجرحى والمصابون أسرعوا يلبّون .
وهل شيء أحقّ بالتلبية من دعوةٍ للجهاد ؟
قيل « 1 » : إنّ رجلًا من بني عبد الأشهل شهد أُحداً هو وأخ له ، ورجعا جريحين ، فلمّا أذّن مؤذّن رسول اللَّه بالخروج في طلب العدوّ ، قال لأخيه : أتفوتنا غزوة مع رسول اللَّه .
ولم تكن لهما من دابة ، وما منهما إلَّاجريح ثقيل . . . لكنّهما خرجا .
يقول هذا الأشهلي : وكنت أيسر جرحاً من أخي ، فكان إذا غُلِب على المشي حملته نوبةً ، ومشى نوبةً ، حتّى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون .
فصدّق الفعل قول اللَّه :
« الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ »
« 2 »
.
* * * ولم يكن هذا الذي ارتآه الرسول صدى غضب ، ولا نبتة برية غرستها الحماسة ، ولا مغامرة فورية غير محسوبة المقدّمات والخواتيم . . . بل قد كان وليد فكرٍ وتدبّرٍ وحسن إعداد .
وتعال فانظره كيف يستوثق لنفسه ولرجاله ، ليبني خطّته على قوائم رواسخ ، ودعائم صلاب لا منفذ فيها الوهن ، ولا موضع لثغرة .
إنّه يدعوا إليه أمينه : علي بن أبي طالب ، فيأمره : « اخرج في آثار القوم ، وانظر ماذا يصنعون وما يريدون ، فإن كانوا قد جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل ، فإنّهم يريدون مكة ، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة ، والذي نفسي بيده ، إن
هامش
( 1 ) . المصدران السابقان .
( 2 ) . آل عمران : 172 .