تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
انفراط عقد أصحابه وتفرّقهم عنه ، إلَّاقلّةً كأصابع اليد الواحدة ثبتت معه أمام طوفان أعدائه ، وهو قائم لقتالهم على قدم ، لا يتحرّف ولا يتقلقل ، وعلى قسوة ما كان في ميدان الوقعة ، وشاهد ! على الرغم من هذا كلّه ، فلم يغب عن لحظ العيون والمشاعر ، أنّه كان مشرق البال ، يقظ الفكر ، حاضر البديهة ، كخير ما ينبغي أن يكون عليه قائد يعمل على أن يلملم شتات أجناده ، وينفخ في روحهم المعنوي من روحه ، ثم يعيد تنظيمهم على وجهٍ يلقي في أرواع أبي سفيان والذين معه أنّ الحرب لم تضعضع المسلمين ، بل تركتهم وهم أعزّ حولًا ، وأنكر حيلةً . فما أن أصبح الأحد حتّى لجأ النبي إلى أُسلوب من أساليب التمويه الحربي الذي يرهب أعداء اللَّه ، ويفتّ في أعضائهم ، فإذا الذي ظنّوه نصراً يتبدّى لهم وكأنّه لا يكاد يُذكر في النصر ، إن لم يتبدّ وإنّه لأشبه بالهزيمة . ويبدأ فيجمع المعلومات عن أُولئك الأعداء بعد أن غادروا ساحة الصدام ، ويرصد حركاتهم وإن باتوا منه على مسيرة أميال . قدم عليه رجل من أهل مكة ، فسأله عن أبي سفيان وأصحابه ما خطبهم ، وما يفعلون ويقولون ، قال الرجل : نزلت عليهم ، فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض : لم تصنعوا شيئاً ، أصبتم شوكة القوم وحدهم ، ثم تركتموهم ولم تبتروهم ، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم . فأمر الرسول فأذّن مؤذّنه في الناس - وبهم أشدّ القرح - بطلب الأعداء ، وقال : « لا ينطلقنّ معي إلَّامن شهد القتال » « 1 » . وذاك هو الرأي ! فليس أشدّ على أُولئك المشركين من امرئ عضّت سيوفهم عليه ، ولا أعظم تحفّزاً إلى لقائهم من آخر وتروه في ابنه أو أبيه أو أخيه ، ولا أحمى للغضب في نفس ثالث من شعوره أنّهم علوه بالنصر ، وهو الأَولى منهم بالغلبة لولا أن تزحزح
هامش
( 1 ) . السيرة النبوية لابن هشام 3 : 107 ، رواه ابن كثير في البداية والنهاية 4 : 50 .