يدي قومٍ هم أحوج إلى وسقها « 1 » من أيّ قوم ؟
ما لقيصر الروم لم يرسل راعياً لسفينته هذه ، من بين أُلوف الأُلوف من تابعيه ، رجلًا غير باقوم ؟
كلّ هذه الظواهر ، وأمثالها كثيرات ، راحت تتوالى هنا وهناك حلقات .
قريباً وبعيداً تتابعت ، على الأيام ، ومع الأعوام .
ما من ظاهرة واحدة منها ، حين بدأت وانعقدت علها النيّة ، إلّاكانت تُنبئ عن غرضٍ معلومٍ ، وتنطلق في مسارٍ محدودٍ بحدود .
لكنّ الأغراض لا تلبث أن تختلف وتتغيّر ، والمسارات تتبدّل مسارات ، كأنّما قد غمّ على كلّ ظاهرة منها الطريق الذي كان ينبغي أن تمضي فيه .
وعلى مشيئاتها جميعاً تغلب مشيئة القدر ، بيد قادرة مجهولة تسير ، ثم تتجمّع مصائرها الغيبية في نهاية المطاف ، كأنّها حزمة من حطب يشدّها رباط وثيق ، ثم تتآلف ، تآلف بُرادة الحديد « 2 » حول قطب مغنطيس ، ثم تتجلّى للناس ، أخيراً ، حكمة علوية من عليٍّ حكيم .
أقلام الغيب كانت ترسم السطور .
حتّى الخلاف الذي انشطر بقريش ، وكاد يلقي بها وقوداً لعداوة سعّر نارها التفاخر والصلف « 3 » والغرور ، إنّما كان وسيلةً لظهور بشير النور .
هامش
( 1 ) . الوَسْق : الحمل ، الحمولة .
( 2 ) . بُرادة الحديد : ما يسقط منه عند البَرْد .
( 3 ) . الصَلَف : مدح النفس بما ليس عندها ، والادّعاء فوق ذلك ، إعجاباً وتكبّراً .