فانبرى إليه قلب الزهراء ، يترنّم بالشوق كنفثات ناي !
استقبلته بصوتٍ هادىٍ رقيق ، حلو الغُنَّة ، عذب الرنّة ، كتغريد طائر صغير نفض لتوّه عن زغبه « 1 » ندى البكور !
قالت له : « فكلِّم حارثة بن النعمان أن يتحوّل عني » .
ومع أنّ جرس الكلمات كان يزغرد « 2 » على شفتيها ويغرّد ، فقد سرت عبارتها تلك على تردّد وتحرّز إلى سمع الرسول .
فهي تعلم أنّ الدار التي ودّت لو انتقلت إليها يقطنها حارثة ، ويرى في لزومه إيّاها الخير والبركة وشرف الجوار لوقوعها لصق دار الرسول . . . وهي تعلم أنّ ثمّة لحارثة بالمدينة دوراً كثيرة لا يعيبه أن يبرح داره تلك إلى إحداها لو أنّه أراد . . . وهي تعلم أنّ ما طبع عليه حارثة من سماحة ، وما أثر عنه من أريحية ، أخلق بأن يسرع به إلى تلبية ما تروم ، لو طالعه رسول اللَّه برغبتها ، بإشارة لفظ أو إيماءة بنان .
لكنّها تعلم أيضاً أنّ أباها حليف حياء . . . فلَكَم أكثر على الرجل في التحوّل ! ولَكَم تنقّل في دياره من دارٍ إلى دار !
ولقد تحقّق هده اللحظة حدسها ، عندما ترجم الرسول ما يتحرّك في خاطرها من لغة الظنّ الخفيّ المكنون إلى لغة الصوت الجاهر المسموع ، سمعته يقول : « قد تحوّل حارثة عنّا حتّى قد استحييت منه » « 3 » .
فآوت إلى كهف الصمت ! وماذا عساها تفعل أو تقول ؟
لكنّ الغد تكلّم فأحسن الخطاب . . . ما أن انقضى صباح أو صباحان ، حتّى أقبل حارثة على رسول اللَّه يضع بين يديه أُمنية الزهراء مغلّفة بالواقع المستيقن بعد أن تجرّدت من الأمل المظنون .
هامش
( 1 ) . الزَغَب : أول ما يبدو من الشعر أو الريش .
( 2 ) . زغرد : ترديد الهدير في الحلق ، ومنه : زغردة النساء في الأفراح .
( 3 ) . طبقات ابن سعد 8 : 14 و 119 .