يولد شرارةً ، كما ينبثق منها نور تتفتّق أيضاً عن نار .
* * * أمّا خديجة ، السيدة الفضلى ، فقد كان عبئها ممّا تنوء به الجبال .
كان قلبها الكبير يتّسع لكلّ الآلام ، وكلّ الآمال . كانت تحمل همّ الجميع : همّ الدار ، وهمّ الدنيا ، وهمّ الدين .
همّ فاطمة الصغيرة التي لم تنعم بحلاوة مذاق تلك المرحلة الغضّة من عمرها الطريّ لعباً ومرحاً وضحكات ، كما تنعم مثيلاتها الصغيرات ، بل قد شاءت - برّاً بأبيها ، وخشيةً عليه - أن تطفر من خفّة الطفولة إلى حدّ الكهولة ، لتتبّع خطواته وهو يمضي على جمر الغَضَا « 1 » وشوك القتاد « 2 » في طريق دعوته إلى اللَّه .
وهمّ ابنتيها الأُخريين : رقيّة وأم كلثوم ، اللتين سرحتا من بيت الزوجية سراحاً غير جميل ولمّا تمسّ جسميهما ثياب الزفاف .
وهمّ كبرى الفتيات : زينب التي تراها كالمعلّقة بين السماء والأرض ، لا تدري أيكون نصيبها كنصيب أُختيها أم سوف يعصمها من مثل ذلك المصير خُلُق زوجها ، ابن خالتها : العاص بن الربيع ؟
وهمَّ ذلك الزوج العظيم ، الذي هو همّ الدعوة وهمّ الإسلام ، وإنّها لتكاد تموت قلقاً عليه في اليوم مرّة ، ما بين كلّ غدوة وروحة ، من فلق الصبح إلى غسق الليل ، وهو يجهد لإبلاغ رسالة الهدى إلى قلوبٍ غلفٍ ، وعقول كمه ، جهد من ينحت الصخر بأظفاره ، أو يعبر بحراً أواذيه من جمر النار .
* * *
هامش
( 1 ) . الغَضَا : شجر من الأثل خشبه من أصلب الخشب ، وجمره يبقى زمناً طويلًا لا ينطفئ .
( 2 ) . القَتَاد : شجر صلب له شوك كالإبر .