اللوحة الخامسة : دموع في الحرم
لعلّها ما بكت يوماً من قبل كمثل بكائها في ذلك النهار .
مرّت بالحرم فإذا هي تسمع فريقاً من السادة يسرّون النجوى ، يأتمرون بأبيها ليقتلوه : إذا مرّ محمد ، فليضربه كلّ واحدٍ منّا ضربةً .
هيئتهم المريبة كوحوش فلاة ، وضواري غاب ، كحزمة من براثن ومقالب ، ومن مناسر « 1 » وأنياب ، همساتهم الجوفاء كوسوسة شياطين ، كفحيح ثعابين .
ولم تنتظر أن ينفثوا بقية السموم ، وهل من حاجة للانتظار ، وفي أيديهم سيوفهم مشحوذة ، من فرط الحدّة والانصقال تلمع كالشعاع ؟
وأسرعت تبارح المكان ، سابقت خطاها الدموع ، وأخبرته الخبر : « تركت الملأ من قريش قد تعاقدوا في الحجر ، وحلفوا باللّات والعزّى ومناة وأساف ونائله ، إذا هم رأوك يقومون إليك فيضربونك بأسيافهم ليقتلوك . . » .
تماماً فعلت كذلك الرجل الذي سعى إلى موسى يحذّره البقاء حيث كان :
« قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ »
« 2 »
.
لكنّ أباها لم يخرج خروج الكليم ، مال عليها وقال بهدوء : « يا بنيّة لا تبكي » .
هامش
( 1 ) . المناسر : جمع مَنْسَر ومَنْسِر ، وهو للطير الجارح مثل المنقار لغير الجارح .
( 2 ) . القصص : 20 .