وليست هي وحدها التي عانت الحسرة والالتياع « 1 » ، أيّما امرئ غيرها بمكة كان حريّاً به أن يعاني نفس المعاناة ، فينتصف للحقّ لو كان له ذمأ « 2 » ضمير ، أو ذكر من مزاياهم ما سجّل لهم يوم حلف الفضول « 3 » .
فذاك حلف مشهود ، عصى شأنه على الإغفال إذ رفع رؤوسهم فوق الهام ، وفاخروا به أهل جزيرتهم كافّةً ، من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق ، ومن أبعد موقع في الجنوب إلى أبعد موقع في الشمال .
وأنّى لقريش - خاصّةً وعامةً - أن تغفله أو تنساه ؟
فأولئك الذين بلغوا الآن من شبابها مبلغ الرجولة حضروه وكانوا شهوده ، وأولئك الذين تأخّرت بهم السنّ ولم يتخطّوا عتبة الشباب بعد ، لا يبرحون يلهجون به لهج تمجيد ، ومن ورائهم العرب كافّة تنظر إليهم من خلاله بإكبار .
يروي الرواة : أنّ رجلًا من زبيد مطله قرشي ذو مقام وشأن بثمن بضاعة باعها له ، فاعتلى جبل قبيس ، وصاح يستغيث :
يا للرجالِ لمظْلُومٍ بضَاعَته * ببَطْن مكّةَ نائِي الحِمَى والنَفَر
إنّ الحرامَ لمَنْ تَمَّت كرامتُهُ * ولا حَرامَ لثوبِ الفاجرِ الغَدِر « 4 »
وسمع النداء أشراف قريش وهم في مجالسهم عند الحرم ، فأخدتهم المروءة ، وراحوا يتدبّرون ما عساهم يفعلون ، عندئذٍ دعاهم الزبير بن عبد المطلب إلى
هامش
( 1 ) . كذا في النسخة المطبوعة في دار الزهراء ، بيروت . ولم نعثر على أصل لغوي لها .
( 2 ) . كذا في النسخة المطبوعة في دار الزهراء ، بيروت . ولم نعثر على أصل لغوي لها .
( 3 ) . حلف الفضول : معاهدة تعاون وتآزر بين قبائل من قريش : بني هاشم ، بني عبد المطلب ، بني أسد بن عبدالعزّى ، بني زهرة بن كلاب ، بني تيم بن مرّة ، على ألّا يجدوا بمكة مظلوماً ، سواء كان من مكة أو من غيرها ، ممّن سكنها أو ممّن دخلها من سائر الناس ، إلّاقاموا وكانوا على من ظلمه حتّى تردّ إليه مظلمته . وقد جرت زمن الجاهلية في دار عبداللَّه بن جُدعان بن عمرو بن كعب بمكة . راجع سمط النجوم العوالي 1 : 232 .
( 4 ) . البيتان من البسيط ، نقلهما مع غيرهما العاصمي في سمط العوالي 1 : 234 باختلاف في بعض الألفاظ عن الزبير بن بكّار .