أم لم يأتهم نبأ ابن الهيّبان ؟
إنّه يهودي من أهل الشام ، روى قصّته شيخ من بني قُرَيْظَة بيثرب ، قال : قدم علينا قبل الإسلام بسنين ، فحلّ بين أظهرنا ، فواللَّه ما رأينا رجلًا قطّ خيراً منه .
فكنّا إذا أقحط المطر أتيناه ليستقي لنا ، فيقول : لا واللَّه حتّى تقدّموا بين يدي نجواكم صدقة ، فكنّا نخرج الصدقة : صاعاً من تمر ومُدَّيْن من شعير ، فيمضي بنا إلى ظاهر حرتنا فيستقي لنا ، فواللَّه ما يبرح محلّه حتّى يمرّ السحاب ، ويسقينا اللَّه
يقول الراوية : فلمّا حضرته الوفاة ، وعرف أنّه ميت ، نادى فينا : يا معشر يهود ، ما ترونه أخرجني من أهل الخمر إلى أرض البؤس والجوع ؟
قلنا : أنت أعلم .
قال : إنّما قدمت هذه الأرض أتوقّع خروج نبي قد أطلّ زمانه ، وهذه البلدة مهاجره ، وكنت أرجو أن يبعث فأتّبعه ، فلا تُسبَقُنّ إليه يا معشر يهود « 1 » .
فكم هي الأُلى بينهم صدّقوه ؟
* * * لكنّ قريشاً طوت كشحاً عن كلّ تلك الأنباء ، ونبت كلّ النبو بما جاءها على ألسنة أولئك وأمثالهم من الأحبار والرهبان وغيرهم من ذوي المعرفة والصفاء النفسي ، الذين دلّهم علمهم بالصحف الأُولى ، وغوصهم في آثار الأقدمين ، واستجلاؤهم خبايا الأيام - من خلال رهف الحسّ ، ونقاوة السلائق - على مبعث الرسول .
لقد تواردت عليهم تلكم الأخبار في ذلك الأوان ، وكانوا لوقوع ما تومئ إليه من الأحداث ناظرين .
فإن يكونوا جهلوها فهذا هو المحال ، أو يكونوا علموها وآثروا كتمانها ، فلماذا
هامش
( 1 ) . راجع الطبقات الكبرى 1 : 160 - 161 .