فطابت نفسها بعبارته التي فاض كلّ حرف من حروفها بالحنان ، وجفّت الدموع ، وأشرق في محيّاها الوضيء الابتسام .
ومع ذلك ، فقد كانت دائماً على ثقةٍ لاتتزعزع أنّ ربّه لابدّ دافع عنه شرّ ما يبيتون
« يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ »
« 1 »
.
فإذا كانت شؤونها قد انفرطت من عينيها دون إرادة انفراط ، فليس مسيلها نشيج فزع بقدر ما هو نظيم حبّ كبير .
أمّا محمد فقد انطلق إلى المسجد على طمأنينة ويقين ، حتّى إذا قارب عقارب الدسيسة « 2 » أخذ حفنةً من تراب ورمى بها نحوهم ، وهو يقول : « شاهت الوجوه » .
فكأنّه ألقى بهم في جبٍّ بلا قرار ، كأنّه حبسهم بكلماته هذه وراء أسوار شاهقة ضخمة من الصمّ والخرس وعمى العيون دونها سدّ يأجوج ومأجوج !
وانطلق من بينهم إلى موضعٍ قريب ، وقف فيه خاشعاً يصلّي للَّه ، وهم لا يرونه ولا يدركون أنّه منهم على ملمس أنملة « 3 » لا على قيد ذراع .
لقد تعطّلت فيهم كلّ أعصاب الإحساس .
* * * فلماذا إذاً كان بكاء الزهراء ؟
أمن جزعٍ ولوعةٍ ؟ أمِّنْ همٍّ وقلقٍ ؟ أمِّنْ خوفٌ وفرق ؟ أمِّنْ توقّع نزول شرٍّ مجهول ؟
كلمة بذاتها من هذه لا تقدّم الجواب ، لا تحيط وحدها بمعاني النحيب ، لا تنضح - مفردةً - بكلّ الأسباب .
فكما يقطر ماء الأعين حين الحزن يقطر أيضاً حين الابتهاج ، قد يهتن عند الألم
هامش
( 1 ) . التوبة : 32 .
( 2 ) . الدسيسة : ما أُكمن من المكر والعداوة .
( 3 ) . الأنملة : بتثليث الهمزة والميم : رأس الأصابع .