عورة حسده البغيضة أن يطّلع عليها سواه ، وأضاف : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتّى إذا تجاذبنا على الركب ، وكنّا كفَرَسي رهان ، قالوا : منّا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذه ؟ واللَّه لا نؤمن به ولا نصدّقه أبداً !
وعلى نفس شاكلته كان أئمة الكفر من سادة قريش .
اجتمعت بضعة منهم ، في أحد المواسم ، فيهم الوليد بن المغيرة ، وهو عندهم ذو رأي ومقام ، فقال لهم وقد سمعوا بعض ما أنزل على الرسول : يا معشر قريش ، قد حضركم الموسم ، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم ، فأجمعوا فيه رأياً ولا تختلفوا فيكذّب بعضنا بعضاً .
قالوا : فأنت أقم لنا رأياً نقوله فيه ، قال وهو يحاورهم : بل قولوا : أسمع ، قالوا :
نقول : كاهن !
- واللَّه ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهّان ، فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه .
- فنقول : مجنون !
- واللَّه ما هو بمجنون ، لقد رأينا المجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا وسوسته .
- شاعر !
- واللَّه ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كلّه : رجزه وهزجه ، وقريضه ومبسوطه .
- ساحر !
- لا واللَّه ، لقد رأينا السَحَرة وسحرهم ، فما هو بنفثه ولا عقده .
قالوا وقد حيّرهم الأمر : فما تقول أنت ؟
فسرح هنيهة ، يفكّر ويدير الرأي على مختلف وجوهه ، ثم قال : واللَّه إنّ لقوله لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أصله لغدق وإنّ فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلّاعُرف أنّه باطل ، وإنّ أقرب القول فيه أن تقولوا : إنّه ساحر ، جاء بقولٍ هو سحر ، يفرّق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وابنه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 135
مساهمون: شوقي محمد
ص١٣٥