فما لهؤلاء السادة يأفكون ، وإنّهم ليعلمون أنّهم يأفكون ؟
وما للذين يلونهم من جماعاتهم ينقادون لهم ، صمّاً بكماً عمياً ، بغير تبصّر ولا تفكير ، انقياد السوائم ، تندفع إلى الهاوية ، بغريزة القطيع ؟
الحسد هو سرّ الأسرار .
* * * من أقصى الشمال بالشام ، وما يليها من دولة الروم ، إلى أقصى الجنوب باليمن التي استردّها ابن ذي يزن « 1 » من أيدي الحبشان ، شاع أمره في الندوات ، ومسامر السمّار ، وتجمّعات الجمهور .
في هذه الرقعة الشاسعة التي كانت مواقعها المختلفات مهابط للوحي ومنازل للأنبياء والمرسلين ، على تباعد الأماكن وتواتر السنين ، سارت قوافل التجّار ، ومساري السفّار ، وخطى الظاعنين والمرتحلين ، تنشر في الآفاق وفي الأذهان نبأ الرسالة المنتظرة ، وذكر الرسول الموعود .
ولم تكن قريش لتجهل هذه الأخبار ، ولا كانت لتهملها ، وتطويها في جوف النسيان .
بل هي تعلمها علم يقين ، أخذتها من كتابات الأقدمين ، ومن تشيمات الكهّان ، ومن نبوءات الأحبار ، ومن بشارات الرهبان ، ومن نصوص التوراة والإنجيل .
ومع هذا كلّه ، وقبله وبعده ، من ظروف الأحوال ، وصور الواقع ومجريات الأمور
هامش
( 1 ) . سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن عمرو الحميري ، من ملوك العرب اليمانيين ، ولد نحو 110 ق ه ونشأ بصنعاء ، وكان الحبشة قد ملكوا اليمن في أوائل القرن السادس للميلاد ، وقتلوا أكثر ملوكها ، فنهض سيف وقصد كسرى انو شيروان ، فأجابه وبعث معه جيشاً ، فسار بهم إلى اليمن ، وأقبل عليهم رجال اليمن يناصرونهم فقتلوا ملك الحبشة مسروق بن أبرهة الأشرم ، ودخلوا صنعاء فكتبوا إلى كسرى بالفتح ، فألحقت اليمن ببلاد فارس على أن يكون سيف ملكها والمتصرّف في شؤونها ، فمكث 25 عاماً حتّى ائتمر عليه بعض الأحباش فقُتل بصنعاء سنة 50 ق ه . راجع الاعلام 3 : 149 .