فحسر الشيخ عن الجواب ، ودعاه محمد إلى الإسلام : « يا حصين ، أسلم تسلم » فأحنى الرجل رأسه ، يتفكّر ويمعن التفكير .
وهل هي إلّادعوة إلى العودة للفطرة النقية التي فطر اللَّه عليها الإنسان ؟ هل هي إلّا تحرير للعقل البشري من حبائل الشرك ، وتسامٍ به أن تمتهنه طقوس مبتدعة أفرزها الزيغ ، وزيّنها الجهل ، وبثّ بذورها الخبيثة في الأخلاد هوس الأنفس السوء وتهاويل الأباطيل ؟
هل هي إلّاكلمة حقٍّ ، خفيفة على القلب ، خفيفة على اللسان ، ينطقها فيكون في المهتدين ؟
ورفع حصين عينه إلى النبي بعد قليل ، وإنّه ليشعر أنّ صدره قد انشرح ، وقلبه قد خشع ، وكيانه كلّه يسبح في النور . . . ثم تشهّد : « لا إله إلّااللَّه ، محمد رسول اللَّه » .
لكنّ قومه بالباب ، ما أن خرج إليهم حتّى أنكروه ، فلقد عاد من سفارته بسمتٍ غير ذلك الذي عرفوه ، وحدّثهم خبره ، فإذا هم منه ينفرون .
أبوا أن يسمعوا له ، أخذهم صلف الكفر ، وعناد الاستكبار ، ملكهم العنت ، واستبدّ بهم تراث ماضيهم الوبيء « 1 » ، فارتجوا مسالك التفكير ، وتفرّقوا عنه وهم عليه زارون .
كانوا يردّدون : صبأ « 2 » حصين ! صبأ حصين ! وكان في عيونهم غضب عاصف ، وفي قلوبهم غلّ مجنون ، وفي وفاضهم « 3 » خسار وبوار .
هامش
( 1 ) . الوبيء والموبوء : ما يكثر فيه الوباء ، والوباء : كل مرض عام .
( 2 ) . صبأ : خرج من دين إلى دين آخر .
( 3 ) . وفاضهم : وعائهم .