لكنّ إقبالهم عليه كان مشوباً بإشفاقٍ سبق مسيرتهم إلى الغد المجهول ، فأن يصطفَى من دون الخلق ، للدعوة إلى سبيل الحقّ ، فإنّه لمجد له عظيم . . . تكريم أيّ تكريم .
وأن ينهض بهذه الدعوة ليحقّق غايتها المنشودة ، فإنّه لعبء عليه أعظم . . . ثقيل ، ثقيل ، ثقيل .
فالرسالة الإلهية أصبحت في عنقه أمانةً مقدّسةً ، واجبة الأداء والوفاء ، وأداؤها مهمّة معجزة لا كالمهمّات ، توشك أن تشارف حدود المحال ، حتّى لتنوء بالعصبة أولي العزم من الرجال ، بل لتفدح رواسخ الراسيات « 1 » ، شمّ الأطواد « 2 » .
أوليس عليه أن يواجه عالماً من الضلال ؟ وأن يناهض بقوة الإيمان كلّ قوى الشكّ والشرك والظلام والطغيان ؟ وأن يشفي بالموعظة الحسنة مستعصيات علل النفوس - التي استمكنت منها عبر أعصر من الغواية - ليهتك الكنان « 3 » عن القلب الأغلف ، ويمحو الظلمة من العين الكمهاء « 4 » ، ويذهب بثقل الأُذن الوقراء « 5 » ؟
الكلمة وحدها هي سلاحه ، وبالكلمة وحدها يخوض معركة التغيير ، ليصفي السرائر ، وينقي الضمائر ، ويخلص العقول من رجس الفكر ، لا ليلمّع الجوارح أو يصقل الظواهر أو يلوّن الأبشار .
فكأنّه سينصِّت « 6 » الصمّ ! لكأنّه سيسمع من في القبور الدعاء ! ودون ذلك محن وشدائد وأهوال .
* * *
هامش
( 1 ) . الراسيات والرواسي : الجبال الثوابت الرواسخ .
( 2 ) . الأطواد : جمع طود ، وهو الجبل . وشمّ الجبلُ : إذا ارتفع أعلاه .
( 3 ) . الكِنَان : ستر الشيء ووقاؤه .
( 4 ) . الكَمهاء : العمياء .
( 5 ) . الوقر : الثقل في السمع ، الطرش .
( 6 ) . نَصَّت : تكلّف الإسماع .