رأت الأمر أبلج « 1 » كوضح الصبح ، مسفراً عن سرّه المكين ، رأي يقين .
* * * حدث هذا ذات فجرٍ في رمضان ، عند ذاك كان أبوها قد قفل راجعاً من الغار ، على غير معهود عادته ، برح « 2 » خلوته ، في تلك الآونة المبكّرة من يقظة النهار ، بدا بخلاف المألوف ، لاح شاحب اللون ، واجف القلب ، مضطرب النظرة ، قلق الخطوة ، راجف الأوصال .
لقد فَجَأَهُ في الجبل من وحي السماء ما لم يخطر بباله قطّ أنّ هكذا يجيئه أو يكون ، فإذا كيانه يتزلزل ، وإذا ثباته يتقلقل ، وإذا هدوؤه يرتجّ ، وإذا فكره يتبلبل ، وإذا شعوره الوطيد بالأمان يتسرّب من كلّ ذرّةٍ فيه كما يتسرّب من بين الأصابع الماء .
أفحقّ هذا الذي سمعه ورآه ؟ أم هو أضاليل أوهام ؟
أم هذيان محموم ، وما ثمّة حمىً لا سورة سقام ؟
أم عبث شيطان ؟ أم رؤىً من الجانّ ؟
وفر منه قراره النفسي ، كما عبث ببدنه الاضطراب ، وملك عليه قلقه آفاق التفكير .
* * * وغرق في حيرةٍ سحيقة الأغوار .
ولكنّ صدر خديجة : زوجه العطوف ، تلقاه بكلّ ما يضمّ من رعاية ورفق ، وحبّ صدر أُمٍّ رؤوم « 3 » .
هامش
( 1 ) . الأبلج : الظاهر البيّن ، الواضح المشرق .
( 2 ) . برح : ترك .
( 3 ) . الرؤوم : العطوف .