من عتامة الرؤية فتختلط لديهم المعاني ، وتنتكث الأفكار ، وتختلّ معايير التقدير .
* * * ومرّت أيام تلتها أيام ، وكانت بطيئة السير والسُرى كسلحفاة ! متثاقلة الخطو والدبيب ، وهي تقتلع أقدامها اقتلاعاً من رمال الزمان ، بحساب الأعداد كانت ثلاثة أعوام ، وبمقياس الإحساس كانت دهراً من التوجّسات والأحداس .
فالجوّ النفسي مشبع برائحة الغد المجهول ، والانتظار قلقٌ ممدودٌ ماله من حدود ، والأحداث تتثاءب وتتمطّى ! والحركة كأنّها ركود ، وعلى حين فجأة تغيّرت الحال ، انطلق مارد « الدعوة » من العقال !
* * * فما أن انطوت تلكم السنوات الثلاث من مستهلّ عهد النبوّة ، حتّى تنزّل الروح الأمين على محمد بأن يظهر الدين .
وصدع الرسول . . . وعلى الأثر ارتجّت الألباب والصدور ، تفجّرت ثورة التغيير .
في الأيام والليالي السوالف التي أكلت من حياة البشرية ثلاثة حؤول « 1 » ، كانت الحفنة القليلة من روّاد الإيمان يستخفون بعبادتهم عن أعين المشركين ، أحياناً فرادى وراء الجدران ، أحياناً جمهرة في رباط بدار الأرقم ، أحياناً متفرّقين أو مجتمعين ، خارج البلدة الحرام ، في شعاب الجبال « 2 » .
وكانوا دائماً على حذر وتقيّة أن يراهم راءٍ ، أو يسمع مناجاتهم لربّهم سميع ، فأمّا وقد أمرهم اللَّه ، فقد كشفوا عن أنفسهم الغطاء ، ومضوا جمهرةً يعلنون عن الدين .
* * *
هامش
( 1 ) . الحُؤُول والأحوال : جمع حَوْل ، وهو السنة .
( 2 ) . راجع سيرة ابن هشام 1 : 263 .