هدهدته « 1 » كما يهدهد فطيم ، غمرته بالحنان ، في رفقها أذابت روعه ، على انزعاجه وبتت « 2 » بالطمأنينة ، إلى مواثل وجيفة « 3 » نفذت بسكينة القرار .
فلمّا إلى نفسه ثاب ، وهدأ شعوراً وجارحة ، قالت له وكلّها بهجة وابتسام : ابشر يا ابن عمِّ وأثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده ، إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأُمة . . .
واللَّه لا يخزيك اللَّه أبداً ، إنّك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكَلَّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحقّ .
* * * لم تكن وحدها بشيرته ، ابن عمّها الحَبْر الوَرع وَرَقة بن نَوْفَل « 4 » كان على نفس ما هداها إليه صدق التوسّم والاستشفاف .
فعندما ذهبت إليه تستفسره سرّ ما شهد زوجها وسمع ، تلك الليلة في الغار ، تلبّث هنيهة يستقرئ علمه - وإنّه بأسرار صُحُف الأوائل لخبير - ثم قدّس وسبح : قدّوس قدّوس ! سبّوح سبّوح !
وأجاب : والذي نفس ورقة بيده ، لئن كنت صدقتني يا خديجة ، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى . . ، ثم أكّد : إنّه لنبيّ هذه الأُمة ، فقولي له : فليثبت .
هامش
( 1 ) . هدهدت الأمّ الصبيّ : حرّكته لينام .
( 2 ) . وَبَتَت : أقامت ، ثبّتت .
( 3 ) . الوَجيف والوُجُوف : الاضطراب ، يقال : وَجَف القلب ، إذا خفق واضطرب .
( 4 ) . وَرَقَة بن نَوْفَل بن أسد بن عبد عُزّى ، من قريش ، حكيم جاهلي ، اعتزل الأوثان قبل الإسلام ، وتنصّر ، وقرأ كتب الأديان ، أدرك أوائل عصر النبوة . وله شعر سلك فيه مسلك الحكماء ، ومن المؤرّخين من يعده من الصحابة ، وفي وفاته روايتان ، ما في البخاري « ثم لم ينشب ورقة أن توفّي » يعني بعد بدء الوحي بقليل ، والثانية عن عروة بن الزبير قال في خبر تعذيب بلال : « كانوا يعذّبونه برمضاء مكة ، فيقول : أحد ، أحد ! فيمرّ به ورقة وهو على تلك الحال فيقول : أحد ، أحد يا بلال . . . » . راجع الاعلام 8 : 115 ، الروض الأنف 1 : 124 وما بعده .