وتكرّر التوكيد ، فحين أصبح محمد ، ونشط إلى الطواف بالكعبة - كدأبه في كلّ يوم - التقى بالناسك العليم .
وأقبل ورقة عليه بخطىً وئيدة « 1 » ، كأنّما يمشي على استحياء ، ثم دنا منه ، يتأمّله ، ثم هامسه بصوت خفيض : يا بن أخي ، أخبرني بما رأيت وسمعت ، فأنبأه بما جرى في الغار .
قال له الراهب ، ورَمْق بصره يهيم في الفضاء : إنّك لنبيّ هذه الأُمة . . . ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ، ولتكذبنّ ولتؤذينّ ولتقاتلنّ . . . ولتخرجنّ .
فسأله محمد : أوَ مخرجيّ هم ؟
قال الراهب الشيخ : نعم ، فما أتى رجل بما جئت به إلّاعودي . . . ولئن أدركت ذلك اليوم لأنصرنّ اللَّه نصراً يعلمه .
وصدق ، فما عتم داعي السماء أن عاد إلى محمد مرةً أخرى ، من وراء كلّ المحسّات ينقل إليه عن اللَّه :
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ »
« 2 »
.
إنّها إذاً لرسالة ، وكبّر ، وتيمّن واستبشر ، وسكن وأمن ، واطمأنّ وقرّ ، ثم صدع بما يؤمر .
* * * وعلى الفور ، تفتّحت براعم الإيمان ، بداره ظهرت بشائر الدين الجديد .
كلّ من كانوا به يعايشونه صدّقوه ، ما إن دعاهم حتّى لبّوا الدعاء ، أسلموا وجوههم للَّه .
وكانت خديجة رائدتهم على طريق النور ، ثم الابنة الحبيبة الزهراء ، فعليَّ ربيبه ، وصاحب سرّه ونجواه ، فزيد مولاه .
هامش
( 1 ) . الوئيد : الرزانة والتأنّي .
( 2 ) . المدّثر : 1 - 7 .